مناقصات,إستشارات...
  مناقصات,إستشارات...


نادي القـــارئ

العشُّ الأولُ

يـــوم :   2016-10-10

	الصورة
24	2016-10-09	العشُّ الأولُ	بــقلـم : ربيعة جلطي ربيعيات كان على ذلك الشاب المحبّ، الذي وصل دمشق منذ أيام قليلة أن يختار بيتا مريحا لجوهرته. الشقق كثيرة في دمشق. لكن كيف فعل "أمين" ذلك ؟ كيف وصل إليها ؟ كيف عثر عليها؟ إنها في حي دمشقي راق وهادئ وعريق يدعى"القصور". الثمن؟ لا يهم الثمن. آنذاك كانت الدولة الجزائرية تتمتع بذكاء دبلوماسي خارق، بحيث لا تترك بعثاتها من الطلبة الجامعيين المتفوقين يحتاجون إلى المال، فكانت تغدق عليهم بالعملة الصعبة وبالتساوي والعدل، لم يكونوا في حاجة إلى العمل،وفي منأى عن كل إغراء مادي لجهة ما، سياسية أو غير سياسية. كان شائعا في جامعة دمشق وسواها، أن مِنحَ الطلبة الجزائريين أعلى من مرتبات أساتذتهم. ولأن للسياسة الحقيقية أهلها، فلربما كان السيد الوزير آنذاك، يتنبأ بحنكته الدبلوماسية، بأن معظم الطلبة الذين قرر إرسالهم إلى جامعات العالم لإكمال دراستهم على حساب الدولة، ومن بينهم هؤلاء في دفعات متتالية نحو سوريا، سيكون من بينهم شعراء ، وأدباء، وكتاب ، و أطباء، و فلاسفة، ومهندسون ، وفنانون، وأساتذة، وسياسيون. لكن هل كان سيبلغ به تنبؤه الدبلوماسي الخارق، وحنكته السياسية، درجة استشراف المستقبل بأن أحدا من بين هؤلاء سيجلس في مكتبه. وأن طالبا من بينهم هو الوزير الحالي للتعليم العالي. بيت صغير في الطابق الأول من عمارة أنيقة. بابه من خشب أحمر لامع، يفتح على صالون صغير، يفتح بدوره على حجرة كبيرة بسرير ومكتبين، وخزانة من طراز ماري أنطوانيت ستيل لويس السادس عشر. وتفتح على شرفة تطل على حديقة عامة منسقة . - خلي عليك ربيعة.. كي نجي نتصرف !. إنه أمين. يستعد للخروج للقيام بمعاملة إدارية. إنه يشفق عليّ وقد بدوتُ له ضائعة بين حقائب السفر المغلقة و كرطونات الكتب. ودّعته عند الشرفة. أطلُّ من ارتفاعها على شعره الأشقر الغزير. الحق يقال لم أستسغ فكرته عني. أيظن أنني فتاة مدللة لا أفقه في أمور البيت شيئا. أيظن أنني ترعرعتُ في "أوبيرج" أمريكي ؟!. قلت لنفسي : - آيّا ورّيلو حنة يديك الندرومية الوهرانية . ! عاد أمين في المساء متعبا لأن شمس دمشق الجميلة قاسية كما هو شتاؤها بثلجه وصقيعه. ينقصها بحر وهران . أتابع بفخر نظراته المعجبة. كل شيء نظيف ولامع، ومرتب بإتقان في خزانة لويس السادس عشر. بينما رائحة أكل جزائري تتهادى في الأركان . إنه أول عشّ، شقة تملكها "خالة سليمة"، بابها بجانب بابنا، و بيننا باب زجاجي سميك يفتح بين شقتينا على المطبخ والحمام. "خالة سليمة" سيدة مسيحية لم تنجب. تعمل في السفارة التشيكوسلوفاكية. إنها الزوجة الثانية ل"عمو الحجي" أو "أبو أحمد". زوجته الأولى "أم أحمد" تعيش مع أبنائها الأحد عشر في ضيعة قريبة. خطيب و إمام جامع.جسده ضخم، ووجه مدور أحمر يشع منه التفاؤل والطيبة. يتحرك فتتململ جلابيبه العريضة. يضع على رأسه عمامة عظيمة، ولا تفارقه عصاه، على الرغم أنه في صحة جيدة وفي غنى عنها. يأتي بعد ظهر كل يوم جمعة عند خالة سليمة، يطبخان معا، ويضحكان، ويتحدثان بصوت مرتفع مليء بالبهجة. يناديها "أم حسن" على اسمه، بينما تناديه "أبو سليمة" على اسمها . في إحدى الجمعات ، قررت خالة سليمة دعوتنا لحضور ضيافتها لأحمد وعروسته، بعد أن مر أسبوع على عرسه.كم حكتْ لي من تفاصيل مبهرة عما حدث أثناء عرسه بالضيعة. التقيتُ بأمّه "ضرتها" وجميع إخوته وأخواته. لم أدرِ كيف سعتْ شقتُها كل ذلك الخلق. تذكرتُ مقولة جدتي ( الوْسَعْ في القلب ). لاحظت أن "عمو الحجي" أو "أبو أحمد" يمدح بمكر طبخة " أم حسن "، فتشيح " أم أحمد" بوجهها عنه، وتلوي شفتيها وتغمز لابنتها الكبرى ثم تبتسمان. "عموالحجّي" أو "أبو أحمد" أو "أبو سليمة"، رجل دين لا يمدح الموت أبدا. بل يزرع الفرح بين أفرادعائلته. أبناؤه وجوههم مبتسمة طليقة مقبلة على الحياة، وعلاقاتهم مع الآخرين مريحة ومرتاحة. كأنه الركيزة التي يستند عليها الجميع يستمدون القوة. مازلت أندهش لعطشه للفرح والحياة وسعادة الآخرين . - ليش أبو سليمة ..موهيك..ماتوا خوف يا حرام ؟!! صوت خالة سليمة في تلك الساعة المتأخرة من الليل، وهي تؤنبه بعد أن أطلق طلقتين من مسدسه الخاص في الهواء، ليعلن بطريقته تلك مشاركتَه فرحة أصوات لجماعة تمر قرب العمارة بالغناء والزغاريد، لعلها عائلات خارجة لتوها من حفل زفاف. بعد الطلقتين هربوا صارخين في الظلام. لم يكونوا يعلمون أن خالة سليمة وحدها تعلم أنه لا يريد بهم أذى. ظللتُ كلما نزلت بدمشق قادمة من وهران أو العاصمة أو باريس، إلا وأزور خالة سليمة و عمو الحجي ، وأطمئن على عشّي الأول. لم تنقطع حبال الودّ بيننا. لكني منذ سنوات عدت إلى القصور. طرقتُ باب خالة سليمة. كان بابي المجاور مازال خشبُه الأحمر لامعا، طرقت مرتين.فُتح الباب لم أر وجه "أم حسن" أو "أبو سليمة" . أطلت وجوه غريبة. رحبوا بي. لم أسألهم عن التفاصيل، سلمتهم التمر الجزائري والهدايا النحاسية ووردا يانعا .. ثم ذهبتُ .

العشُّ الأولُ



الصورة 24 2016-10-09 العشُّ الأولُ بــقلـم : ربيعة جلطي ربيعيات كان على ذلك الشاب المحبّ، الذي وصل دمشق منذ أيام قليلة أن يختار بيتا مريحا لجوهرته. الشقق كثيرة في دمشق. لكن كيف فعل "أمين" ذلك ؟ كيف وصل إليها ؟ كيف عثر عليها؟ إنها في حي دمشقي راق وهادئ وعريق يدعى"القصور". الثمن؟ لا يهم الثمن. آنذ... المزيد
  مناقصات,إستشارات...