هــام

خالد بن تونس شيخ الطريقة العلاوية بالجزائر في حوار لـ"الجمهورية" :

نتمنى تأسيس أول أكاديمية للسلام في العالم بالجزائر

يوم : 13-09-2018 بقلم : حاوره : قايدعمر هواري
صورة المقال
	تبني مبادرة العيش معا في سلام أمميا نجاح باهر لدبلوماسية بلادنا 


أضحت أعمال الشيخ خالد بن تونس شيخ الطريقة العلاوية الدرقاوية الشاذلية بالجزائر، مصدر إلهام وافتخار للكثير من العقلاء في العالم، بفضل جهوده المعتبرة وطنيا ودوليا، توّجت بصدور قرار أممي بإنشاء يوم عالمي للعيش معا في سلام، يعني في أبسط معانيه تقبل الاختلافات والتمتع بالقدرة على الاستماع إلى الآخرين والتعرف عليهم واحترامهم. 
وأكد خالد بن تونس في الحوار الحصري، الذي خص به أمس *الجمهورية*، أن تبني المبادرة بموافقة 193 دولة، دليل على نجاح الدبلوماسية الجزائرية، التي تسعى جاهدة لنشر ثقافة السلام والمصالحة والتعاطف والإخاء في العالم، داعيا إلى تأسيس أول أكاديمية للسلام في العالم بالجزائر، واستحداث بيداغوجية لتربية أبنائنا على ثقافة التعايش والانفتاح على الآخر.

	الجمهورية : لماذا أطلقتم مبادرة العيش معا في سلام في هذا الزمن المليء بالاضطرابات والصراعات السياسية والدينية في العالم ؟
•	الشيخ خالد بن تونس : بداية، اسمحوا لي أن اغتنم هذه الفرصة لأتقدم إلى قراء جريدة الجمهورية وإلى عموم إخواننا الجزائريين بأطيب التهاني بمناسبة عيد الأضحى المبارك، ندعو الله أن يعيده علينا وعلى الأمة الإسلامية بالخير والأمن والسلام.
إن هذه الاضطرابات والصراعات والانقسامات الحضارية والدينية في عالمنا المعاصر إنما تغذيها في الواقع الشكوك والريبة وانعدام الثقة، وتغذيها كذلك كراهية الأجانب والتعصب والعنف والإقصاء والتهميش، فضلا عن التمييز العرقي والديني واللغوي، وهي كلها مواقف تقوم على رفض وعزل الآخر، ويمكن تفسير ذلك بغياب الحوار وبنقص التفاهم والتسامح بين مختلف الأديان والثقافات والحضارات.
ويدفع هذا الوضع إلى ظهور الانعزال والحواجز والعقبات بمختلف أنواعها بين الجماعات الاجتماعية والدينية والمجتمعات والأمم، هذا الانغلاق على الذات يولد عقبات أمام السلام وأمام الأخوة والتضامن والتنمية.
وبغية التصدي لذلك وللآثار الوخيمة الناجمة عن الأحكام المسبقة السلبية والخاطئة عن الآخرين وإلى الظاهرة المتنامية للتطرف العنيف، جاءت مبادرة العيش معا في سلام بهدف تعزيز التسامح وقيم السلام، عن طريق ثقافة التواصل والمواطنة المشبعة بالقيم الأساسية للعيش معا، حيث لا أحد على الهامش، وكذا لإحياء القيم الأخلاقية والإنسانية، التي غابت أو غيّبت، بتغليب ثقافة *أنا* ذات التوجه الضيق على ثقافة *نحن* الخادمة للصالح العام.
	هل لديكم استراتيجية عمل ميدانية للترويج لهذا المشروع الهادف لنشر ثقافة السلام والحب والإخاء والتسامح ؟
•	هناك العديد من النشاطات والمشاريع التي تهدف إلى تعزيز هذا المفهوم ، منها الجائزة الدولية التي أسست في سنة 2016 والتي تحمل اسم *الأمير عبد القادر لتعزيز العيش معا والتعايش السلمي في البحر الأبيض المتوسط والعالم* وذلك من أجل تكريم الشخصيات الطبيعية أو المعنوية ممن قدموا إسهاما كبيرا في ممارسة العيش والتعايش السلمي بين الشعوب، كما أسست بهولندا *دار السلام* تهدف إلى ترسيخ قيم العيش معا وهو مركز للقاءات الفكرية والتبادل في ظل احترام وقبول الآخر، وأقيم مؤخرا بمستغانم في شهر جويلية المنصرم مؤتمرا دوليا حضره العديد من الخبراء الدوليين ممثلين لأكثر من 20 دولة ومفتشي التربية الوطنية ممثلين لـ 48 ولاية تحت شعار *الرياضيات والعيش معا*.
كما نهدف إلى التأسيس لبيداغوجية للسلام تدرس لأبنائنا وبناتنا في المدارس والجامعات، وهو ما نسعى إليه عبر تأسيس عدة مراكز للأطفال بمختلف ولايات الوطن سميت *بدار السلام* تهدف إلى التربية والتكوين على أسس مبنية على ثقافة السلام وعلى الانفتاح على الآخر والتعايش معا في جو من الاحترام المتبادل.
	*العيش معا في سلام* أصبح عالميا واعتمدته مؤخرا الأمم المتحدة وصادقت عليه عدة دول، ما هو شعوركم وأنتم ترون مبادرتكم تتجسد على أرض الواقع ؟
إن اعتماد هذا اليوم من قبل الأمم المتحدة وبتوافق جميع الدول الأعضاء (193 دولة) هو نقطة بداية أو انطلاقة، إن هذا اليوم ليس مجرد فكرة أو يوم سيحتفل به ثم يُنسى. يجب أن يكون مفهومه كتابة صفحة جديدة في تاريخنا، مفهوم يساعدنا على الإبداع والتفكير في بناء عالم جديد حيث يمكن للأجيال الآتية بناء مستقبلها مع بعضها البعض وليس الواحد ضد الآخر. إنه يوم الأمل لأنه يدعونا أيضًا للتغيير، للتوجه نحو بعضنا البعض، لفهم بعضنا البعض والعمل معا في تآزر حتى تصير ثقافة السلام لنا جميعا أساس ذلك العالم الجديد الذي نتمناه لأنفسنا وللأجيال القادمة.

في القرار 72/130، تؤكد الجمعية العامة للأمم المتحدة أن *اليوم الدولي للعيش معا في سلام* سيكون وسيلة حشد جهود المجتمع الدولي بشكل منتظم من أجل السلام والتسامح والاندماج والتفاهم والتضامن، وفرصة للجميع للتعبير عن الرغبة العميقة في العيش والعمل معاً، متحدون في الاختلاف والتنوع، لبناء عالم قابل للحياة قائم على السلام والتضامن والانسجام*.

وقد بدأت العديد من الدول في تجسيد هذه الفكرة على أرض الواقع نذكر كمثال ما بادرت به مدينة قرطبة بإسبانيا، المعروفة تاريخيا بمجتمع التعايش السلمي، إلى ترسيم الاحتفال بهذا اليوم، كما سينظم في شهر نوفمبر مقبل بباريس الملتقى الدولي للسلام يحضره العديد من رؤساء الدول والمنظمات والشخصيات.

	باتت الجزائر اليوم نموذجا للعيش معا في سلام، هل يمكن أن تكون مستقبلا منبرا لإرساء حوار الحضارات والأديان، في عالم يعيش انتشارا رهيبا للتطرف والعنف؟
•	إن مفهوم العيش معا في سلام مستمد من تراثنا الروحي الإسلامي والذي يشكل، كما نعلم ذلك جميعا، ركيزة هويتنا الجزائرية، لقد كانت الجزائر نموذجا في السلام والتعايش السلمي، ولنا خير مثال في الإجابة التاريخية والمليئة بالحكمة التي قدمها مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة، الأمير عبد القادر الجزائري، في شهر جويلية 1861،  لتفسير تدخله لإنقاذ الأقليات النصرانية في دمشق *ما فعلناه واجب فرضته الشريعة المحمدية وحقوق الإنسانية*، تلك الفكرة نفسها يعبر عنها مؤسس الطريقة العلاوية، الشيخ أحمد العلاوي المستغانمي منذ أكثر من قرن حين يقول بخصوص فعل الخير في المجتمع الإنساني : *يعتبر الفرد في قومه شبه العضو في بدنه، وليجتهد ليكون نفعه عائدا على قومه أكثر منه على نفسه، بدون ما تفوته حصته لأنه فرد من أفراد المجتمع، يسعد بسعادته ويشقى بشقاوته، ومهما تواطأت أفراد الأمة على ما هو المطلوب من كل فرد منها، لزم أن تتحقق سعادتها ويرتفع كعبها بين الأمم ولو بعد حين *.
اليوم، كما كانت الجزائر سباقة إلى تبني هذا المشروع وتقديمه للأمم المتحدة كدولة عضو واعتماده من قبل كل الدول بدون استثناء، وهذا يعد نجاحا باهرا للدبلوماسية الجزائرية، نتمنى أن تكون السباقة لرسم معالم العيش معا عبر إنشاء منبر لثقافة السلام بالجامعات الجزائرية وعبر التأسيس لأول أكاديمية للسلام بالعالم تهدف إلى ترسيخ قيم المصالحة والتعايش السلمي وإرساء أسس الحوار بين الحضارات والأديان.

عدد المطالعات لهذا المقال : 14673


أضف تعليقك :
: الإســــــم
: البريد الإلكتروني
: نص التعليق

مقالات في نفس الفئة