هــام

ممرات وسط مدينة وهران .. منافذ تعاني الاهمال .

يوم : 08-11-2018 بقلم : حيزية.ت صورة : نادية ص
صورة المقال
-ممر افريقيا يضم قاعتين للسينما  مهملتان منذ عقود
-رغم القيمة التاريخية لهذه المواقع لم يتم إدراجها ضمن برنامج   الترميم 
تتواجد الممرات الحضرية الواقعة بين البنايات القديمة وسط مدينة وهران في حالة اهتراء و تدهور كبير نتيجة الإهمال الذي طالها رغم أنها تعد ميزة من مزايا الهندسة المعمارية القديمة و لا تقل قيمتها التاريخية عن البنايات العتيقة التي خضعت في معظمها للترميم حفاظا عليها كحضارة صامتة و معالم أثرية معمارية نال منها الزمن.

و أردنا في هذا الاستطلاع تسليط الضوء على هذه الممرات العتيقة و نفض الغبار عن جزء هام من تاريخ المعمار القديم المتناسى، عن بصمة هندسية راقية تجاوزت القرن و لازالت رغم الإهمال تجسد أفكارا لم تتكرر في تاريخ المعمار الحديث
و تضم مدينة وهران و تحديدا في وسطها 5 ممرات أو كما يسميها المختصون في الهندسة المعمارية بوابات حضرية 2 منها متواجدة بنهج الأمير عبد القادر إلى جانب ممر *كلوزال* الواقع بساحة المغرب و الذي يضم محلات بيع الملابس الرجالية رغم ضيق مساحته علما أنه يتواجد بجانب كنيسة مهجورة  جدرانها تآكلت بسبب قدمها و تسرب مياه الأمطار إليها. هذا إضافة إلى ممر *إفريقيا* و ممر *لافودات* او *كاليبسو* اللذان يربطان بين شارعي خميستي و العربي بن مهيدي.
 و قد توقفنا بأكثر تفاصيل عند هذين الممرين بالإضافة إلى الممر الرابط بين نهج الأمير عبد القادر و شارع بن سنوسي حميدة أو كما يسميه السكان ممر الجمهورية نظرا لتواجده أمام مقر جريدة *الجمهورية  كونه من الموقع الأكثر تميزا من حيث المساحة و الحركة التجارية في سنوات السبعينات و الثمانينات و خلال فترة الاستعمار الفرنسي و هم الأكثر تضررا و إهمالا من جميع النواحي.
و للحصول على معلومات تفيدنا تقربنا من بعض السكان القدامى بكل من شارعي خميستي و العربي بن مهيدي و كذا نهج الأمير عبد القادر  لمعرفة حكاية كل ممر و الأسرار المخبأة بين زواياه و قبل ذلك تجولنا في تفاصيل هذه البوابات للتعرف على اللمسة الحضرية التي وجدناها قد فقدت ملامحها و لم يبق منها إلا القليل.
-البداية من ممر إفريقيا  بشارع محمد خميستي 
و ؤول وجهة اخترناها كانت نحو ممر أفريقيا او ممر الأمير كما يسمى حاليا نسبة إلى المندوبية البلدية الأمير او ممر الاسكافيين نظرا لوجود قرابة 6 محلات لترقيع الاحذية هناك
 هذا الممر المغطى الواقع بين عمارات شارع خميستي يربط هذا الاخير بشارع الاوراس يتربع على مساحة 700 متر مربع يحتوي على   قرابة 30 محلا تجاريا اغلبهم مغلق  منذ سنوات و يقتصر النشاط التجاري داخل هذه البوابة على محلات الاسكافيين و بعض المحلات الخاصة بالألبسة الرجالية في المدخل الموازي لسوق الاوراس. 
و حسب الاسكافي السيد جمال و بعض السكان القدامى فإن المكان كان قديما مفعما بالحياة و الحركة فهناك كانت قاعات السينما و الاوركيسترا و قاعة للرقص و أخرى للرياضة سنذكرها بأكثر تفصيل، إضافة إلى محلات هذا الممر التي كانت معروفة إبان الثورة التحريرية في حوالي سنة 1958 و 1959 ببيع ملابس علامة لاكوست و بعد الاستقلال و تحديدا سنة 1967  تحول المكان إلى مقهى حتى سنوات الثمانينات أين أصبح مطعما و بعدها و إلى يومنا هذا موقعا لأصحاب الحرف ثم الاسكافيين.
-قاعة افريقيا كانت متخصصة في عرض الأفلام الهندية أما قاعة  club leكانت تعرض الأفلام الفرنسية 
و تحت الطابق الأرضي  مساحة أخرى مهملة منذ 10 سنوات، كانت  بعد الاستقلال عبارة عن مرشات حسب السكان و إلى اليوم لا يزال المكان مهملا تغمره مياه وادي الروينة من كل جانب تهدد صموده و تخفي تفاصيله شيئا فشيئا . 
بسبب نزاع بين المستأجر و البلدية ملف سنيما إفريقيا أمام العدالة
المار عبر بوابة أفريقيا يشعر لأول وهلة أن المكان مهجورا و أول ما و يلفت انتباهه  هو قاعة سنيما إفريقيا التي تتوسط الممر و الموصدة أبوابها منذ أكثر من 30 سنة علما أنها كانت متخصصة في عرض الأفلام الهندية و بجانبها قاعة الاوركيسترا او * le club » التي كانت مميزة بعرض الأفلام الفرنسية قبل أكثر من 3 عقود. و في شأن هاذين القاعتين المهملتين التابعتين لبلدية وهران أكدت مصادر من هذه الأخير ان هناك نزاع بين البلدية و الشخص الذي كان يستأجر القاعة و الذي لم يحترم شروط الاستغلال و الملف مطروح حاليا أمام العدالة و قد تتخذ الإجراءات وقتا طويلا ليتم إعادة فتح القاعات المهملة و إعادة استغلالها و الاستفادة من مداخيلها. 
كما ذكرت مصادرنا أيضا ان جميع ممرات شارع خميستي مبرمجة للترميم و إعادة التهيئة ضمن مشروع تهيئة سوق لاباستي.

ممر لافودات بشارع العربي بن مهيدي ...بوابة سوق لاباستي

غير بعيد عن بوابة أفريقيا و بعد رحلة في حكاية مكان توجهنا إلى حكاية اخرى الى ممر النجم * la vedette أو ممر كاليبسو و هي الأسماء المتداولة بين سكان وهران القدامى خاصة شيوخ المنطقة الذين قضوا طفولتهم بين جدران هذا الممر ذهابا و إياب من و إلى سوق لاباستي العتيق حيث كان المنفذ الأقرب و الأسهل لجميع سكان الأحياء المجاورة من أجل التسوق الذي يبدأ من الصباح الباكر. 
هذه البوابة الحضرية تربط بين سوق الاوراس و شارع العربي بن مهيدي و مدخلها يقابل تماما سنيما مرجاجو و المدخل الثاني يؤدي الى قلب سوق لاباستي. 
و لسوء الحظ لم نعثر خلال جولاتنا المتكررة إلى المكان على أشخاص يعرفون تاريخه أو بعض التفاصيل حول المميزات المهمة للممر و كان جميع أصحاب المتاجر المتواجدة هناك من الشباب إلى أن وجهنا أحدهم إلى حلاق الحي عمي حسين الذي استقبلنا بمحله الصغير و العتيق الذي بدأ فيه نشاطه سنة 1975 و كانت 43 سنة كافية ليسترجع الذكريات و يحكي متحسرا عن ممر كاليبسو الذي تحول إلى وكر للمنحرفين بعد ان كان فيه النشاط التجاري في أوجه بعد الاستقلال. 
و يتذكر عمي حسين جيدا وقت دخوله إلى المحل الذي كان كل أثاثه فاخرا و قال انه اكتشف أن إحدى المرايا القديمة تعود إلى سنة 1942 و على الأرجح يعود إنجاز محل الحلاقة إلى تلك الفترة او قبلها بقليل. 
و قال عمي حسين أيضا ان سوق لاباستي كان منظما في سنوات السبعينات و كان ينتهي كل شيء على الساعة الواحدة و يعم الهدوء المكان بعد مغادرة الباعة أما اليوم أصبح الممر مخزنا كبيرا لوضع بضائع التجار و صناديق الخضر و الفواكه التي يتم تمريرها عبره من شارع العربي بن مهيدي.
و تميز هذا الممر طيلة فترة الاستعمار الفرنسي بوجود حانة تسمى بحانة كاليبسو التي يحمل الممر اسمها و هي متواجدة تحت الأرض و تمتد مساحتها  على طول مساحة الممر و لا تزال اللافتة التي تحمل اسم الحانة معلقة عند مدخلها رغم تآكلها بفعل الزمن و الصدأ الذي نال منها كما نال من أسقف و جدران و أرضية المكان التي كانت تتميز بنوعية بلاط خاص تم تغييره حسب عمي حسين ما افقد المكان خصوصيته التاريخية. 
و يستغل اليوم الموقع القديم للحانة المتواجد بجانب محل الحلاقة لصاحبه عني حسين كمخزن للخضر و الفواكه التي تدخل السوق و قد تعذر علينا دخولها بسبب غياب الحارس الذي يملك المفاتيح إلا أننا علمنا من التجار ان بعض العتاد الذي كان في الحانة لا يزال موجودا الى يومنا و هو بعد بدوره إرثا تاريخيا و تراثا ماديا مهملا. و طالب بعض السكان بتدخل السلطات لحماية على الممر و إعادته لطبيعته بعد ان غير فيه الزمن الكثير من التفاصيل.

-ممر الجمهورية يفقد خصوصيته بعد غلقه
و من البوابات الحضرية الهامة و البارزة التي تركها الاستعمار الفرنسي و التي تعد بدورها إرثا تاريخيا منسيا بكل ما تحمل الكلمة من معنى بوابة الجمهورية المتواجد مدخلها الأول بنهج الأمير عبد القادر مقابل نهج الصومام و يقابل مدخلها الثاني مقر جريدة الجمهورية بشارع بن سنوسي حميدة كما أشرنا سابقا. 
و يعد هذا الممر الوحيد الذي فقد خصوصيته كمنفذ من شارع إلى آخر بعد أن تم غلقه من قبل أحد الخواص و انقسم بذلك إلى قسمين و تحولت بوابته إلى مدخل بمحل تجاري أما البوابة الأولى فبقيت تضم مدرسة لتعليم السياقة فقط علما أن الممر يضم أكثر من 6 محلات  مغلقة من بينها المكتبة العتيقة و محل بيع الأشرطة و محل الأكل الخفيف و خدمات الهاتف و بائع الجرائد عمي حمو. إلى جانب قاعة لتعليم رياضة الكاراتي متواجدة تحت الأرض كل هذا كان في الأمس القريب في أوج النشاط و الحركة و 10 سنوات كانت كافية ليصبح المكان مهجورا و لم يعد الممر ممرا بعد غلقه فضلا على اهتراء السقف و الجدران نتيجة تسرب المياه، كل هذا و لا احد يتدخل لحماية الهياكل الأثرية التي فقدت نكهتها و خصوصيتها الحصرية بفعل الزمن و عبث بعض البشر. 
و ما اكتشفناه خلال جولتنا بهذه الممرات هو ان جميعها تحتوي على طابق ارضي او قاعات تخصص للتسلية و الترفيه او الرياضة تحت الأرض و كلها أصبحت مهملة حاليا بعد تدهور حالها. كما أن معضم الممرات مغطاة بهياكل خاصة و منها المغطاة باسقف اسمنتية لتواجد شقق فوقها علما ان الممرات الثلاث التي فصلنا فيها تضم مداخل لبنتين او بنايتين على الأكثر.

المهندس المعمار على فاطمي
الهندسة المعمارية الحديثة لا تعتمد على اي مرجع

و حسب المهندس المعماري السيد قاطني علي عضو بالمجلس المحلي لهيئة المهندسين لولاية وهران فإن هذه البوابات الحضرية تنجز عندما تكون العمارات ملتصقة ببعضها على مسافة 100 متر. و حتى لا يضطر المواطن إلى قطع كل تلك المسافة للوصول إلى الشارع الموازي جاءت فكرة إنشاء ممرات الراجلين كحل لتسهيل  العبور من حي إلى اخر و هذه كانت ميزة البناء الاستعماري القديم يضيف السيد فاطمي الذي أكد أيضا أن هذه الميزة لم يتم اتخاذها كمرجع في المعمار الحديث كونها تستعمل حسب حاجة الحي و نوع المشروع كما أنها لا تتجاوب و النمط الحضري الحالي خاصة و ان الهندسة الحديثة بوهران تغيرت كثيرا و لا تعتمد على اي مرجع و البناء اليوم  هو عبارة عن عمارات منفصلة ليست بحاجة إلى ممرات لعبور الراجلين
و أضاف نفس المتحدث انه لا يمكن إهمال او غلق هذه البوابات التي أنجزت لتكون ممرات للراجلين. مشيرا إلى انه لم يتخذ في شأنها اي قرار للترميم او إعادة التهيئة رغم حاجتها الماسة لمثل هذه المشاريع للحفاظ عليها كموروث معماري عريق و مميز و بصمة هندسية مميزة انفردت بها وهران و بعض المدن الجزائرية الكبرى مثلها مثل الأقواس .
من ممرات لإيواء الأثرياء من الطقس في باريس إلى أوكار للمنحرفين في وهران 

و اذا عدنا إلى تاريخ الممرات فهي بنيت أول مرة في باريس في النصف الأول من القرن 19 حيث تم إنشاء مجموعة من الممرات وسط المباني فتحت من خلالها الأحياء و كانت ممرات مغطاة بهياكل خاصة لإيواء الأثرياء من الطقس كما كانت تضم أصحاب الطبقة الراقية من التجار في معارض و محلات تجارية وسط الشوارع الراقية. 
و قد وصل عدد الممرات المغطاة الخاصة بالراجلين في باريس إلى 30 ممر سنة 1850 بعدها بدأت هذه الطريقة الهندسية الجديدة تعمم في باقي المدن الفرنسية بداية بمدينتي بوردو و نانت ثم خرجت إلى البلدان المستعمرة من قبل فرنسا في النصف الثاني من القرن 19 لتصبح ميزة الهندسة الفرنسية القديمة و بصمة استعمارية خاصة.


 


عدد المطالعات لهذا المقال : 105


أضف تعليقك :
: الإســــــم
: البريد الإلكتروني
: نص التعليق

مقالات في نفس الفئة