هــام

مرايا عاكسة

الاقتباس مرّة أخرى

يوم : 11-02-2019 بقلم : بقلم السعيد بوطاجين
صورة المقال
ظلت مسألة الاقتباس في الجزائر، إن كان هناك اقتباس فعلي، أمرا محيّرا، من البدايات الأولى لظهور الفيلم والمسرح، إلى غاية اليوم. هناك مسافة كبيرة بين السرد الجزائري والصورة، وبينه وبين الخشبة، ما يشبه العلاقة الصدامية الخالدة. ذلك أن أغلب المخرجين الجزائريين يفضلون، لسبب أو لآخر، الهجرة إلى الكتابة الغيرية التي يتخذونها ملجأ ومرجعا ثابتا، على عكس كثير من البلدان العربية التي اهتمت بأدبها، قراءة واستثمارا نذكر، على سبيل التمثيل، أعمال نجيب محفوظ التي تحوّلت إلى أفلام أخرجها سينمائيون مكرسون عربيا وعالميا، إضافة إلى كتابات محمد الماغوط وسعد الله ونوس، وغيرهما من الأقلام المشهود لها.
إنّ الدعم المقدم، من هيئات مختلفة، لبعض المخرجين لتقديم مسرحيات وأفلام دالة ومحترمة، هو دعم، في النهاية، للثقافات والممارسات المستوردة من تقاليد أخرى لها مسوّغاتها، لتقاليد الآخرين وتاريخهم ومنظومتهم الفكرية ومقاصدهم. ذاك ما يمكن الكشف عنه من وراء إنتاج أفلام وعروض بأموال جزائرية، وبرؤى لا تمت بصلة للبلد، دون أن يتكفل هذا الآخر بنشر ثقافته وأدبه، أي أننا نقدم خدمات جليلة لهذا الآخر، دون مقابل، إن لم يحصل ذلك بخسائر كبيرة لبعض القطاعات المعنية بهذين الفنين.
هناك، بالمقابل، نصوص جزائرية مثيرة يمكن الاستفادة منها بأقل التكاليف والأضرار الممكنة لأنها راقية على عدة أصعدة، ومعترف بها من حيث الجودة، ومن حيث الموضوعات والجماليات التي تحتكم إليها. أشير ها هنا، على سبيل التمثيل، لا غير، إلى منجز محمد ديب ومالك حداد ومولود معمري والطاهر وطار ورشيد ميموني وعبد الحميد بن هدوقة ورشيد بوجدرة وأحلام مستغانمي ومولود فرعون وزهور ونيسي، وغيرهم من الكتّاب المكرّسين.
إضافة إلى ذلك، هناك الكتابة الجديدة التي أصبحت ذات قيمة استثنائية في المنجز العربي، ومن ثم إمكانية استغلالها في خدمة الصورة والعرض والتقليل من استيراد المنظورات الغيرية التي تكدست وتكررت وغدت غير نافعة، وغير وظيفية البتة. أشير مثلا إلى أهمية كتابات: الأعرج واسيني، إبراهيم سعدي، ربيعة جلطي، أمين الزاوي، سمير قسيمي، بشير مفتي، سعيد خطيبي ، عواد بن جبار، وغيرهم من الأسماء المهمة التي لا يمكن حصرها في هذا العرض السريع للأسماء الجيدة. ليس من باب المنطق إغفال القيمة الفنية والموضوعاتية للنص الجديد الذي تخطى الحدود الإقليمية واللسانية، والأسماء والعناوين كثيرة جدا، متنوعة ومتضادة، وغنية فلسفيا ورؤيويا، رغم بعض التحفظات.
الأمر لا يتعلق، بطبيعة الحال، بالدعوة إلى مقاطعة الآخر كمكوّن للمعنى، كما تقول اللسانيات والسيمياء، أو من حيث إنه ضروري لإثراء الوعي والتجربة الفنية التي تحتاج إلى سند عالمي له تجربته وقيمته، بل بالإعلاء من شأن الكتابة الجزائرية لأنها أكثر ارتباطا بالمحيط الخارجي، وأكثر تعبيرا عنه من النصوص التي أنتجت في سياقات مغايرة، وتأسيسا على مرجعيات لها هويتها وحضارتها ومقاصدها التي لا تعني المشاهد الجزائري. بين عطيل لشكسبير، وبين واقعنا مسافة كبيرة لا يمكن اختزالها في عرض منفصل.
ما حصل للسينما الجزائرية، باستثناء بعض الأفلام الباهرة التي عدّت هالات، هو نفسه ما حصل للمسرح، على تباينه، تقنيا وموضوعاتيا. المخرجون المسرحيون بدورهم مولعون بشكسبير وبيكيت وبيرانديللو وتشيخوف وبريخت وغيرهم من الكتاب العالميين، وبمنجزاتهم المخصوصة التي كتبت لغايات عينية. إنهم يشبهون السينمائيين في تهجير المشاهدين إلى الثقافات الأخرى، وإلى طرائق تفكيرهم وممارساتهم، مع استثناءات لا يمكن القياس عليها من حيث إنها غير مؤثرة في المشهد العام الذي غدا تبسيطيا، وقابلا لعدة مراجعات ومساءلات قائمة على العقل، وليس على ما كان ذا علاقة بجوانب مبهمة في الاستيراد والانتاج: الأموال والعلاقات والاستلاب مثلا، وهي نقاط مدمّرة لا يمكنها أن تقدم فنّا راقيا، قابلا للتلقي الإيجابي، وللاستمرارية في الزمن.
أتصور أن أغلب السينمائيين والمسرحيين الجزائريين يركزون على مقولة زامر الحيّ لا يطرب، أو على منطق لا نبيّ في قومه، وهم، في حالات كثيرة، يقدمون أفلاما ومسرحيات متواضعة فنيا لأنهم يجمعون ما بين الكتابة والاقتباس والسيناريو والإخراج والتمثيل والسينوغرافيا والكوريغرافيا والهندسة الصوتية والإضاءة، إلخ، أي أنهم يحتكرون الفيلم والمسرحية ولا يشركون متخصصين في مختلف المجالات، بما في ذلك ما ارتبط بالنقد، أو بالسيميائيات البصرية وسيميائية اللباس، وكل ما له علاقة بالسيمولوجيا عامة. 
   الأفلام والمسرحيات ليست ملكية خاصة ينفرد بها مخرج بحاجة إلى التوقف عند حدوده المعرفية، إن لم يكن يرغب في أن يكون كلي الحضور والمعرفة، أو مخرجا متكئا على منطق الاستبداد، كما هو حاصل حاليا في أغلب منجزنا، باستثناء بعض الجهود الكبيرة التي تعرف نفسها وقدراتها، ليست كشركات ليلية، إنما كجهود متفتحة على مختلف الطاقات.
لقد لعبت الأموال الفاسدة، حسب بعض القراءات العارفة بالشأن المسرحي والسينمائي، دورا كبيرا في إفقار السينما والمسرح الجزائريين اللذين يحتاجان إلى تثقيف حقيقي للخروج من الاحتكار والضحالة التي تبوأت المشهد في السنين الأخيرة، وإلى وعي بقيمة ما يكتب في البلد من نصوص ناجحة بإمكانها اختراق الحدود اللسانية والإقليمية بالنظر إلى قدراتها الفنية وعبقريتها، بما في ذلك كتابات الموجة الجديدة التي حصدت جوائز كثيرة على المستويين الوطني والعربي، وغدت ظاهرة سردية وجب الالتفات إليها لأنها لافتة.
ثمة في الجهد المحلي الجزائري ما يحتاج إلى اقتباس، باحترام مفهوم الاقتباس كما تمّ التنظير له من قبل المنظرين والمتخصصين في الشأن، وليس الاقتباس كسطو على جهد الآخرين، على الملكية الفكرية للناس، أو كتحريف للنصوص الوافدة إلينا. أمّا النفي المعلن لهذه التجربة الكبيرة التي شهدها الأدب الجزائري في السنين الأخيرة، دون معرفتها أصلا، هو عبارة عن محو معلن لما يكتب خارج دهاليز الأفلام والمسرحيات التي تؤسس على نوع من الاستعلاء الذي لا مسوّغ له، على الأقل من حيث الاطلاع على ما يكتب، على معرفته بالدرجة الأولى، قبل الحكم على مستواه. لكنّ من لا يقرأ لا يمكنه أن يعرف الحقائق الفنية، واقعها ومسارتها، ولا يمكنه أن يكون مثالا، أو مرجعا يعوّل عليه.
من لا يعرف ذاته لا يمكنه أن يعرف الآخر، ومن لا يهتم بشأنه لن يجد من يهتمّ به لأنه سيغدو فائضا عن الحاجة، وغير ضروري. الاقتباس، بالنسبة للعارفين، وعي مركب بالمادة التي نتعامل معها، وليس مجرد استيراد لبضاعة غيرية لا تتلاءم مع بعض السياقات التي نقدم لها ما نأخذه من الاخرين، دون أية استراتيجية واضحة المعالم.  كما أنّ الأفلام والمسرحيات الكبيرة لم تخل من المحلية النيرة، تماما كالكتابات السردية التي غدت عالمية، وموضوعات مثيرة للمسرح والفيلم: كتابات أنطوان تشيخوف وعزيز نسين عينتين. لذا، من المهمّ، بل من الضروري، إن كنا نرغب في تقديم إنتاج راق، أن نعيد النظر جذريا في فلسفة السينما والمسرح، الواقع والصيرورة، لأننا نفقد، في ظل منظوراتهما الهشة، أشياء كثيرة، ومن ذلك: الجمال والاحترافية...ونفقد الوظيفة الفعلية التي وجب أن يقوما بها، لندخل في مرحلة من العبث واللاجدوى، وذاك ما نحياه اليوم بنوع من الاعتزاز بالأخطاء والأوهام. ولولا بعض العبقريات لغدا الإنتاج المسرحي والسينمائي، بلا طعم، ودون أية قيمة، أي شيئا من ملء الفراغ بالفراغ، أو كمن يرغب في الهروب من الظلام بالجري في الظلام.                  
عدد المطالعات لهذا المقال : 1290


أضف تعليقك :
: الإســــــم
: البريد الإلكتروني
: نص التعليق

مقالات في نفس الفئة