هــام

شتان بين الحركة و الاضطراب

يوم : 14-03-2019 بقلم : أ.بن نعوم
كان أحد ولاة الجمهورية يفرِّق بين «الحركة» وبين «الاضطراب», عندما يريد الحكم على نشاط تضطلع به مصالح الولاية , فيعتبر الحركة نشاطا واعيا منتجا للقيمة المضافة , بينما الاضطراب ليس سوى عرض من أعراض مرض ما يتطلب العلاج . وقد اضطره إلى هذا الفقه اللغوي, ما كان يصادفه يوميا من نشاطات يصدق عليها وصف «الاضطراب» أكثر من وصف « الحركة « .
إنه فقه قد يصلح أيضا ـ في نظرنا-أداة لتقييم مختلف تظاهرات الحراك الشعبي الذي تعيشه المدن الجزائرية منذ 22 فبراير الماضي. والأكيد أنه ليس كل تحرك لمجموعة أشخاص في مكان عام, و رفع لافتات بلغات الفيسبوك, و ترديد هتافات كتلك المستعملة في ملاعب كرة القدم , ليس مثل هذا التحرك يستحق وصف حراك , خاصة عندما يُدْفَع إليه تلاميذ لم يبلغوا سن الرشد بهدف التهرب من مزاولة دراستهم و ما يعترضهم من مخاطر حوادث المرور أثناء سيرهم في الشوارع بشكل فوضوي , أو طلبة   الجامعات وأساتذتهم الذين لا يختارون سوى أوقات العمل للقيام «بحراكهم», وكأن من شروط الحراك أن يتم على حساب واجب مدرسي أو مهني ؟ أو على حساب أملاك عامة و خاصة تتعرض للحرق العمدي والسطو أو على حساب رجال الأمن ضحايا اعتداءات المشاغبين, وغير ذلك ممن ركب موجة الحراك لحاجة في نفس يعقوب ...
أين «الحركة», وأين «الاضطراب», في مثل هذه الحالات ؟ هل الحراك في حاجة إلى أن تتعطل هيئات الدولة من القمة إلى القاعدة, وإلى عرقلة حركة المرور عبر شوارع رئيسية, وأن تغلق الأسواق والمتاجر في وجه المواطنين الذين لا ناقة لهم و لا جمل في مثل هذه المماحكات السياسية, وأن تحجز الساحات العمومية والمواقع الاسترتيجية في المدن والقرى لتوضع تحت تصرف المتظاهرين لعرض بضاعتهم من الشعارات والمطالب التي لا سقف لها ولا حدود ؟ ثم لماذا لا تنظم مثل هذه المظاهرات خارج أوقات العمل, أليس من  بين مطالب الحراك بناء دولة القانون ؟  
الأكيد أن الذي يعتبر هذا الوضع من قبيل «الحركة», يعاني هو نفسه, من اضطراب يجعله لا يميز بين الحركة و الاضطراب. وبسبب الاضطراب الذي تعاني منه بعض الأطراف المشاركة في الحراك, على بقية الأطراف النأي بنفسها عن حراك لا ضابط له, والانخراط في حراك تضبط مساره ورقة طريق محددة الأهداف والأجل , لمنح حراكهم القيمة المضافة التي تحول الاضطراب إلى حركة واعية تخرج البلاد من أزمتها وتنقل نظامها نحو آفاق الجمهورية الثانية التي ينشدها الجميع.
عدد المطالعات لهذا المقال : 46


أضف تعليقك :
: الإســــــم
: البريد الإلكتروني
: نص التعليق

مقالات في نفس الفئة