«الجمهورية» تستحضر مناقب ابنها عبد العزيز بن طرمول رفقة إعلاميين وجامعيين:

رحل الأستاذ وبقي الفكر والموقف

يوم : 26-05-2021 بقلم : فاطمة عاصم صورة : فوزي برادعي
صورة المقال
احتضنت أمس جريدة «الجمهورية» تأبينية للراحل الإعلامي والأستاذ الجامعي البروفيسور عبد العزيز بن طرمول الذي وافته المنية يوم 11 أفريل 2021 إثر وعكة صحية بحضور إبنيه عماد وفادي والمدير العام لجريدة «الجمهورية» السيد محمد عالم ورئيس مجلس إدارة جريدة «الجمهورية»  المدير الجهوي لوكالة الأنباء الجزائرية بوهران السيد سمير قايد وجمع من الأساتذة والإعلاميين الذين جمعتهم بالراحل علاقات عمل وصداقة ودراسة. الذين عدّدوا مناقب وخصال الراحل وأجمعوا على أنّ الرجل كان وطنيّا مخلصا وصاحب كلمة حق خدمت الجزائر  في أحلك الأوقات وأصعبها.

في هذا الصدد قال المدير العام لجريدة الجمهورية السيد محمد عالم بأنه في مثل هذه اللحظات والمواقف يعجز القاموس اللغوي عن الحديث، لأن المرحوم جمع خصالا عديدة سواء كإنسان أو كمثقف، وإعلامي وأستاذ جامعي، وأشار إلى بداياته  كصحفي في جريدة الجمهورية التي التحق بها منتصف الثمانينات ثم كعضو ضمن مجلس إدارتها تم تعيينه منذ بضعة أشهر، مردفا أنه يذهب الإنسان لكن يبقى أثره من خلال أبنائه البيولوجيين وطلبته في الجامعة.
من جانبه أثنى الإعلامي عباسة جيلالي على الرجل معددا مناقبه من خلال الإحتكاك به طيلة 30 سنة من عملهما معا، سواء في الصحافة أو في الجامعة، وذلك من خلال الندوات الفكرية التي كانا يحضرانها معا عبر عدة جامعات، مشيدا بوطنيته وبحبه الكبير للجزائر الذي كان يحملها في قلبه وعقله ووجدانه، مذكرا الحضور بأن الرجل كان مدافعا شرسا عن بلاده عبر كل المنابر التي كان يتدخل من خلالها، مؤكدا بأنه كان مهموما بما آل إليه وضعها والمستوى الذي وصلت إليه رغم الطاقات المادية والبشرية التي تزخر بها، مضيفا بأن أسف الأستاذ بن طرمول على من كانوا يحملون ولاء للأشخاص عوض الوطن كان كبيرا.
إنسانية مفرطة وإيثار الآخر على النفس
في جانب آخر ذكر ذات المتحدث بأن المرحوم كان أيضا من أنصار حرية التعبير، وكان مفرطا في الإنسانية لدرجة أنه كان يؤثر الآخر على نفسه، وكان يقارع الحجة بالحجة، والفكرة بالفكرة، ومن مميزاته أنه مريح في حواراته، لأنه يحاور من خلال الأفكار ليختتم حديثه بأن المرحوم ترك سيرة مضيئة يمكن الإستنارة بها.
 فيما اختار السيد بن علال محمد رئيس تحرير جريدة الجمهورية تأبين زميلنا من خلال مقطع من قصيدة “المشرقان عليك ينتحبان” لأمير الشعراء أحمد شوقي  وهو يرثي أحد الزعماء الكبار قائلا  “ دقات قلب المرء قائلة له ... إن الحياة  دقائق وثواني... فإرفع لنفسك بعد موتك ذكرها...  فالذكر للإنسان عمر ثاني” ، مضيفا بأن هذه الوقفة التكريمية تدخل في هذا السياق، مدليا بشهادته حول الراحل الذي قال عنه بأنه عايشه منذ التسعينات ويشهد له مرونته في المناقشة والحوار، مشاطرا الأستاذ عباسة في كون المرحوم كانت له خصلتان مشهود له بهما وهي السخاء الإنساني والفكري، وموضوعيته في الطرح، وقوة التحليل التي كانت تبتعد عن الذاتية خاصة في تدخلاته الإعلامية خاصة مقهى الصحافة في إذاعة وهران الذي كانا يشاركان فيه سويا لعدة سنوات، وتعاملهما معا ضمن صفحة نقاط ساخنة الأسبوعية التي كان يثريها المرحوم بكتاباته وبتحاليله السياسية، مضيفا أنه على المستوى الشخصي استفاد منه كثيرا، وبأنه ترك في داخله حزنا كبيرا.
عقلانية في التسيير الإداري وزهد في المناصب
أما الأستاذ بوزيد هواري من قسم علم الإجتماع الذي جاء ممثلا عن عميد كلية العلوم الإجتماعية بجامعة وهران، وهو في نفس الوقت صديق المرحوم ولازمه في الفترة الأخيرة من حياته فقد قال بأنه عرف الأستاذ عبد العزيز بن طرمول ضمن القسم وعملا معا كل في منصبه، وشهد له بأنه ترك أثرا طيبا لديه شخصيا وبين زملائه، وبأنه إلى غاية اليوم لايزال متأثرا بوفاته خاصة أنه رافق عائلته طيلة الفترة التي قضاها الراحل في المستشفى، وأنه كان أول شخص بلَّغته إدارة المستشفى بالوفاة في حدود الساعة الثامنة من صبيحة 11 أفريل المنصرم، حيث كانت صدمة كبيرة له، لكن عزاؤه الوحيد كما قال أنه تعرّف إلى أبنائه الذين يبقون الأثر الطيب والإمتداد له، مؤكدا أيضا أن الأستاذ عبد العزيز بن طرمول كان من بين الحاملين للخطاب الإعلامي في الجامعة، من خلاله إشرافه على قسم الإعلام والإتصال وكذا قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية. بدوره أثنى الأستاذ صافو محمد نائب عميد كلية الحقوق والعلوم السياسية بجامعة وهران الذي حضر التأبينية بإسمه الشخصي ونيابة عن عميد الكلية على الراحل الذي قال عنه بأنه كان له شرف العمل معه كنائب له عندما كان المرحوم على رأس قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية، حيث شهد له بالعقلانية في التسيير الإداري وبأنه كان زاهدا في المناصب الإدارية، وبأنه لم يكن يجري أو يسعى للبقاء في أي منصب يشغله، وكان له كما قال شرف العمل معه في مشروع دكتوراه بعنوان “ الإدارة العامة والتنمية المحلية”، وكان له باع كبير يضيف الأستاذ صافو في تأطير طلبة قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية وهناك طلبة حتى بعد وفاته لازالوا تحت إشرافه. ويردف المتحدث بأن الأستاذ بن طرمول بتواضعه لم يكن ليدخل مكانا إلا وكسب قلوب الجميع، خاصة في قسم الحقوق والعلوم السياسية على الرغم من أنه قضى فيه فترة وجيزة وهذا نادرا ما يحدث، وفي الجانب العلمي قال عنه بأنه كان ملتزما في تأطير الطلبة، ويجيب عن انشغالاتهم بكل الوسائل المتاحة، وملتزما ومواظبا في التدريس للمقاييس المسندة إليه ومتعاونا مع الطلبة الذين لديهم حتى هاتفه الشخصي، ولم يتأخر في الحضور لمناقشة رسائل الدكتوراه، ولم تسجل الكلية أي شكوى من قبل أي طالب أو طالبة منه سواء فيما يتعلق بالإتصال به أو التذمر من تصرفاته، ليخلص إلى القول بأن كل ما يمكن أن نقول عن الأستاذ بن طرمول هو أنه انسان توفرت فيه كل الصفات الطيبة والحميدة ويصعب أن يتكرر.
شهيد الموقف والإلتزام الوطني
أما الأستاذ بقسم علم الإجتماع ورئيس المجلس العلمي بكلية العلوم الإجتماعية حاليا والصحفي السابق بجريدة الجمهورية عمر الزاوي، فقد قال بأنه إلى جانب المهنة التي جمعتهما كصحفيين بجريدة الجمهورية منتصف الثمانينات وانتقالهما في نفس اليوم للتدريس في الجامعة في 1994، وعلاقتهما الإنسانية خارج الجامعة يقول عنه بأنه أكاديمي ومثقف عضوي الملتزم  بإمتياز بقضايا المجتمعية والإقليمية الدولية، وحسب ظنه فإن الفترة التي إشتغلها في الجمهورية من 1985 إلى 1994 في القسم الحدث الوطني بعد أن مر على باقي الأقسام هي التي طبعت شخصيته بعد ذلك، حيث بقي ملتزما بتلك المواقف، وذاك الهوس والإنشغال بالقضايا الكبرى، التي لم يتخل عنها رغم انتقاله للتدريس في الجامعة، ليقول الأستاذ الزاوي بأنه إذا كان هناك شهداء للمهنة فإن الأستاذ بن طرمول هو “شهيد الموقف والتزامه وحبه لوطنه”.
نفس الموقف أكدته الأستاذة أقيس كلثومة مديرة وحدة بكراسك وهران التي جاءت ممثلة عن الأستاذ مستاري الجيلالي مدير مركز البحث في الأنثروبولوجيا الإجتماعية والثقافية، والتي ترحمت على الأستاذ بن طرمول قائلة بأنه نظرا للقيمة العلمية له تقرر تخصيص وفد كامل ممثلا في قسم الإعلام والعلاقات الخارجية لحضور التأبينية، مثنية على مناقبه من خلال عملها معه كصحفية سابقة بجريدة الجمهورية أين تعلمت الكثير من الأمور منه وكأستاذة جامعية، وذكّرت الحضور بحادثة طيبة وقعت لهما معا عندما قرر طلبة ماستر علم إجتماع عمل وتنظيم ذات سنة تكريمهما في نهاية المناقشة، وهو ما اعتبره الأستاذ بن طرمول شيئا مهما جدا وثمنه كثيرا، واعتبرت طلبته الذين تخرجوا على يديه أو أطرهم أو درّسهم بمثابة الصدقة الجارية على روحه. الأستاذ بلهمي فريد الذي جاء ممثلا عن الأستاذ بوزيان حمو مدير جامعة العلوم والتكنولوجيا محمد بوضياف، أدلى هو الآخر بشهادته عن المرحوم بصفته كان طالبا عنده في الفترة من 2002 إلى 2004 بقسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية، مؤكدا أنه كان الأب المثالي لطلبته أكثر منه أستاذا، مردفا أنه كان يستمع لانشغالاتهم وهمومهم اليومية باهتمام شديد، وكان يجالسهم في المدرجات وأحيانا يلتقونه في المقاهي لتواضعه الشديد، وكان وسيطا بينهم وبين الإدارة لحل مشاكلهم المختلفة، وكانت من بين وصاياه لطلبته حسب الأستاذ بلهمي هي الإطلاع على الصحف وعلى الأخبار في حينها، وبضرورة إتقان اللغات الأجنبية.
الجزائر فقدت رجلا بوزن دولة
وأضافت مديرة التحرير بجريدة «الجمهورية» السيدة زرقيط ليلى بأنها عملت مع الراحل عند التحاقها بالجريدة في 1992 وتعلمت منه الكثير، وبأنها عندما زارته في المستشفى وبعد وفاته تأكدت بأن الجزائر فقدت رجلا بوزن دولة لم تسمعه الدولة في أيامه الأخيرة، وهو كان لسان حال الجزائر في المنابر الدولية وله باع كبير وصيت واسع، وقالت بأنه كان أستاذا وزميلا تعلم منه الجميع الكثير من الدروس التي يعملون على تطبيقها.  الزميلة الصحفية أمينة دورمان من قسم الواب بجريدة الجمهورية ركزت على علاقتها بالأستاذ بن طرمول كأستاذ في الجامعة وعلى توجيهاته القيمة لطلبته، وعلى صداقته بوالدها رحمه الله التي لم تكن تعرفها لولا الصدفة وعن طريق الأستاذ بن طرمول بنفسه الذي كان يعلِّق على منشوراتها عندما كانت تنشر صور أبيها للترحم عليه في مواقع التواصل الإجتماعي.
نفس الشهادة أدلت بها الصحفية فاطمة عاصم التي روت علاقتها بالأستاذ بن طرمول كزميل مهنة تعرفت عليه عندما التحقت في 1992 بجريدة الجمهورية وكأستاذ لمقياس الإتصال المؤسساتي في السنة ثانية ماستر بقسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة وهران، والتي قالت بأن شهادتها فيه مجروحة معتبرة أن وفاته خسارة كبيرة، وبأن الأستاذ كان يحمل هم الوطن لكن الوطن لم يحمله، متحسرة على النهاية المأساوية لهذه القامة العلمية التي لم تستغلها الدولة بأحسن الطرق وتم التخلي عنه في نهاية حياته بطريقة بشعة، فيما تحدث السيد عباس بن مسعود رئيس جمعية وحي المثقفين عن المحاضرات التي كان يحضرها للأستاذ الراحل والتي كانت في المستوى. في نهاية التأبينية شكر إبن المرحوم بن طرمول عماد الذي حضر التأبينية رفقة أخيه فادي بإسم عائلته إلتفاتة الجريدة متأسفا هو الآخر على النهاية التي آل اليها والده. كما ورفع الأستاذ حسين بلقوت مدير المسجد القطب عبد الحميد بن باديس أكف الدعاء للراحل وقرأ رفقة الحضور فاتحة الكتاب على روحه،  فيما أوصى رئيس تحرير جريدة الجمهورية السيد بن علال بضرورة العمل على جمع أعماله وطبعها في كتاب، وتم تكريم عائلة المرحوم من قبل أسرة الجريدة بحضور رئيس مجلس الإدارة السيد قايد سمير. 
عدد المطالعات لهذا المقال : 2421



مقالات في نفس الفئة