هــام

مات سْبَعْ وهران... قبل 24 سنة مضت

يوم : 13-03-2018 بقلم : واسيني الأعرج
صورة المقال
في ميترو مونتروي، الليلي ..متعب من لقاء عن جزائر كانت تموت ذبحا في مشهدية تراجيدية كأن الأمر لم يكن يعني إلا الجزائر والجزائريين، وأن وحشيتنا التي لا تعادلها وحشية تخصنا وحدنا فقط. وأن العالم العربي كان بعيدا عن ذلك كله لأنه يعيش إسلامه براحة ومودة، ونسي الجميع أن المسألة لم تكن تتعلق بدين، ولكن بوحشية تم تصنيعها وطنيا وعالميا. وصلت إلى البيت منهكا. فجأة رن التليفون. الهاشمي الشريف من وراء التليفون: يا واسيني شد روحك مليح. رزاونا في علولة قبل قليل وهو خارج من بيته لإلقاء محاضرة في المدينة. قتلوا عبد القادر يا واسيني. 
دارت بي الأرض وانتابتني نوبة بكاء، أعتقد أنها لم تتوقف حتى اليوم. في عبد القادر بعض الحياة. فقد جيء به إلى باريس، إلى مستشفى فالدوغراس، كان طريحا هادئا. عيناه بالكاد، مغمضتان. قبلتُ جبهته التي كان بها جرح يكاد لا يرى. لم نكن بمسرح دائري كذاك الذي اشتهاه دوما، ولكن داخل قاعة الوداع الأخير، في عمق المستشفى. خرجت. ودعتك وأنا خائف من أن يخذلني قلبي. 
كانت الشمس غائبة. ويوم 10-03-1994 كان حزينا ومجروحا إلى الأبد.
منذ أربع وعشرين سنة كان يقف هنا؟ عل هذه العتبة المرتجة دوما التي اسمها الجزائر، بصوته القوي، ينبه إلى خراب كان يرتسم في الأفق بسبب الأحقاد والمظالم. قبل أربع عشرين سنة كان هذا الرجل الكبير هنا أيضا منشغلا بالشأن الحياتي اليومي كواحد من أبناء تربة لا ترتاح قليلا لتزهر إلا لتشتعل من جديد، ويرفع من معنويات الأطفال المرضى بالسرطان في مسرغين. قبل عشرين سنة كان هنا، الفنان الذي رفض أن يغادر الأرض التي فتلته، ويوشوش في أذني المتعبتين بصرخات الموتى، في عز الرعب والخوف، بعد أن فاجأني وأنا أسير متنكرا في شارع ديدوش مراد:
- اسمع يا عزيزي واسيني اذا أردت أن تتنكر وتبعد القتلة عنك، عليك أن تقص قليلا من رجليك. رأيتك من بعيد، فعرفتك. غادر. أخرج من الظلام إلى النور. وجودك تحت التراب لن يفيد في النهاية إلا أعداء الحرية. لا أثقال تعيق رحيلك. آنت تستطيع أن تحمل قلمك وتمضي. بإمكانك أن تكتب أينما كنت ومتى شئت. لا قوة في الدنيا تسكتك إلا الموت الذي يريح القتلة منّا. مقاومتنا الكبيرة أن نظل أحياء لنكتب ونقول الحقيقة التي يردون سرقتها منا.
- وأنت يا كادر خويا لماذا لا ترحل؟ إنهم يتعقبونك أيضا. رددت عليه ونحن نمشي منكسي الرأسين. أجاب. مشكلتي يا خويا أكبر. أنا لا أستطيع أن أحمل بناية مسرح وهران على ظهري والخروج بها. بدون مسرح، سأموت مرتين. موت المنفى وموت العجز عن فعل شيء أبعد به آلة الموت المفروض علينا. أخرج حتى لا ننسى أن في زمن القتلة قلنا ما كان يجب قوله. هذا هو إيقونة المسرح الجزائري الذي قبل أن يكون رجل مسرح كبير، كان قيمة إنسانية متعالية. بفيض لا يحد من الحب والخير صنعته الحياة بكل صدفها ومآزقها وصعوباتها وقلقها. إيقونة وليدة أياد كثيرة نحتتها بذلك الشكل الذي نعرفه، من العائلة الصغيرة، إلى العائلة السياسية، مرورا بالثقافة الشعبية وانتهاء بالثقافة الإنسانية التي تلقاها أثناء دراسته فن الدراما في فرنسا وتقاطعه مع التحارب الإنسانية الواسعة التي تضع الإنسان على رأس كل اهتماماتها وانشغالاتها. هذا الغنى الثقافي هو المشكّل لألوان الإيقونة وندرة معدنها. وعلى الرغم من أنّ هذا المسار قطع بشكل تراجيدي إلا أنه استطاع أن يفرض نفسه من خلال المدونة الكبيرة والمميزة والغنية بالحية أولا، التي خلفها وراءه، إذا ما قيس هذا المنجز بالعمر الذي عاشه عبد القادر علولة. طفل الغزوات (ولد في ٨ جولييه سنة ١٩٣٩) الذي تربى في الأحياء الشعبية مصغيا للفقراء ولظروفهم المعاشية وللمداح في الأسواق الشعبية، هو الذي سيجعل لاحقا هذا المسرح في خدمة هذه الطبقة لأنه خرج منها ليفهمهما ويفهمها بشرطها الإنساني. فلم تكن المسرحيات خطابا سياسويا أيديولوجيا كما هو الحال بالنسبة لخطابات نظرية الانعكاس الآلية التي ترى في الالتزام مجرد تكرار للواقع ودرس أيديولوجي. بل أعطاه من قوته الجمالية التي جمع فيها بين التجربة الشعبية وجمالياتها، والتجربة العالمية والعالمة متأثرا بقوة بالجهود البريختية التي منحته فرصة المشترك الشعبي والحرفية الفنية المميزة. وهو ما قام به منذ أن ساهم في تأسيس المسرح الجزائري في سنة ١٩٦٣، حيث كانت الحاجة ماسة إلى مسرح وطني يقول الحاضر والذاكرة الجمعية بتنوعاتها، بالوسيط اللغوي الذي ينشئه الشارع والمسرح معا. وكان من نتائج هذه الرؤية وهذه الممارسة، منجزه المسرحي الكبير والمتنوع الذي يشكل اليوم لحظة متنورة وعالية القيمة من الريبيرتوار المسرحي الجزائري. «القوَّال» (1980) و«اللثام» (1989) و«الأجواد» (1985)، و«التفاح» (1992) و«أرلوكان خادم السيدين» (1993)، وكان قبل اغتياله في 10 مارس 1995 على أيدي القتلة ومحاكم التفتيش المقدس الذين جعلوا من الدين وسيلتهم للإبادة ورهنوا الدولة لخيارات عقيمة، يعد نفسه لمنجز مسرحي جديد سماه: العملاق لا نعرف اليوم عنه الكثير إلا كونه تجربة أخرى تبين انتقال علولة في معارج التطور المسرحي الفعلي. فقد كانت رغبته كبيرة في عدم الاستكانة على شكل مسرحي واحد وأحادي الجانب. الذي يعرفه المختصون عنه هذه الرغبة المستميتة في تجديد الأدوات المسرحية من خلال ابتداع أشكال تعبيرية جديدة. وهو يندرج بهذا ضمن مدرسة عربية موسعة. اشترك فيها هو مع عبد الرحمن ولد كاكي وعبد الكريم برشيد في مسرحه الاحتفالي وسعد الله ونوس في سوريا بحثا عن شكل مرتبط بالبعد الثقافي الوطني والمحلي. فقد صرف كل جهوده في الأعوام العشر الأخيرة من حياته لتأسيس مسرح يستلهم من «الحلقة» شكلاً وأداء، بعد أن توصل من خلال الممارسة العملية إلى قناعة شخصية أن الشكل المسرحي الأرسطي المتوارث لم يعط قادرا على استيعاب الخصوصية الثقافية المحلية، فقد وجد لفضاءات أخرى. على الرغم من أنه لم يلغ ذلك كإمكانية تعبيرية. وقدم خلال هذه الفترة ممارسة مسرحية تجاوزت العشرة أعمال لترسيخ فكرة مسرح الحلقة. وهو بذلك يستجيب لأطروحة بورخيس الذي يقول: كلما انحدرت عميقا في الجذور شعرتُني بأني في عمق الحداثة. أي أن فعل الحداثة لا ينشأ في الفراغ بل هو تاريخي في عمقه. ولهذا نحا مسارا مزدوجا ليرسخ أطروحاته المسرحية من خلال الممارسة : التيمة والشكل. 
	
عدد المطالعات لهذا المقال : 204


أضف تعليقك :
: الإســــــم
: البريد الإلكتروني
: نص التعليق

مقالات في نفس الفئة