هــام

إشراقات زينب... أنت هنا دوما وأبدا

إلى : الروح الطيبة " رفيدة مالك"

صورة الكاتب
غيابك المفاجئ ترك جرحا غائرا حارقا وقاسيا. كانت تلك الرحلة صعبة وصعبة جدا، وأنت تصعدين الدرج الأخير من السلم ما بين ليلة 2017 و 2018. ثواني فقط كانت الفاصلة والحاسمة، وكأن المرحوم رضا مالك الذي لم تنشف تربته بعد وهو يلمس دقات قلبك الهش ويمسح دموع عائشة ومحمد وأحمد والأحفاد، كان يناديك بهمس خفي إلى هناك، للاحتفال معا وبطريقتكما الخاصة بطقوس رأس السنة وبعيد ميلادك الذي صادف يوم الجمعة 3 يناير، يوم احتضنتك التربة التي أتمناها رحيمة ودافئة على جسدك اللطيف وقامتك البهية وروحك الشفيفة. كان بيتك الجديد في نفس المكان الذي كنت تجلسين فيه في مقبرة العالية وأنت تترحمين وتقرئين الفاتحة على رفيق عمرك في السراء والضراء، في نفس المكان الذي كنت تسترجعين فيه ماضيك وذكرياتك مع رجل كبير كبر مبادئه ومواقفه وتضحياته. كيف لنا أن ننسى وجهك السموح وملامحك الملائكية التي تملأ الأمكنة وكل المساحات الممكنة. كيف لنا أن ننسى صوتك الهادئ ولهجتك الجيجلية الناعمة والمتميزة التي كنّا نعشقها. لا يمكن لمثقف أو سياسي جالسك، استمع إليك أو حدثك أن ينسى نقاشاتك وجدالك وأسئلتك العميقة والمحرجة مرات، تلك الأسئلة التي كانت تتوالد باستمرار وكأن كل سؤال يخبئ عالما من الأسئلة مثل الدمى الروسية. الموسوعة وخزان المعرفة ومولد الأفكار، هكذا كنّا نسميك لأنك كنت موسوعة حقا وخزانا جميلا وغنيا للمعرفة، كنت القارئة الجيدة للتراث ولكل جديد، تنبشين بذكاء ورزانة في التاريخ وفِي الدين وفِي الفقه بفضول رائع لا مثيل له وتصححين الخطأ أو السهو وتحيلين على المراجع التي يجهلها الآخرون. خزنت اللغات والثقافات بكل تنوعها بما فيها أنواع الطبخ الذي كنت تعتبرينه فنا من الفنون الراقية وليس حشو بطن، بحكم تنقلك في خارطة العالم الشاسعة والكبيرة. لا يمكن لإنسان بسيط صادفك أن ينسى تواضعك وبساطتك وأنت تحدثينه بكل عفوية ويدك على كتفه تسألينه عن أحواله وعن أحوال البلد من موقعه هو، مصغية لكلامه ورأيه في الواقع اليومي والحياة الصعبة. بالرغم من كل انتقاداتك الموضوعية والعميقة للواقع وما آلت إليه الأوضاع من ترد، وبالرغم من كل ألمك وحرقتك وأنت ترين تضحيات جيلك الباهضة تتلاشى أمام ذهنية الريع والطمع والتهافت على الخيرات وغياب القيم والوقوف في وجه الشباب وطموحاته وأحلامه، كنت تكرهين العدمية والسوداوية وانتقاد الآخرين دون انتقاد الذات والوقوف أمام المرآة بجرأة وشجاعة، كنت تذكرين بما أنجز من أشياء جميلة في البلاد وأنت تقولين كما كان يقول أبي رحمه الله "لا تنظروا فقط إلى الجزء الفارغ من الكأس حاولوا النظر إلى الجزء الممتلئ وسترون الأمور بشكل مختلف تماما". كنت السند الجميل للشباب من فنانين تشكيليين وسينمائيين ومسرحيين، مشجعة لهم في كل حين بالرغم من كل التذمر والإحباط الذي كان يسكنهم، كنت الأذن الصاغية والعين الساهرة واليد الممتدة في كل لحظة لانتشالهم من الإحساس باليأس واللاجدوى واللامعنى والتعريف بأعمالهم وإبداعاتهم والمشاركة معهم في نشاطاتهم بكل تواضع ودون إعطاء أية قيمة للألقاب، الكل كان يعرفك باسم "رفيدة شريط" رافضة استعمال اسم السيد رضا رحمه الله في أي مجال من المجالات. أراك الآن كما كنت تأخذين أشياءك الجميلة الخشبية والطينية والنحاسية من الحرفي الصغير الذي لم تتخلي عنه ولا لحظة. أراك الآن بكل حيويتك ونشاطك وحركاتك الأنيقة وأنت تذهبين باكرا إلى رايس وبن طلحة وأماكن أخرى كثيرة، تعيشين لحظات حميمة حزينة ومؤلمة ومفرحة أيضا بوجودك بين ضحايا العشرية السوداء، خاصة الأطفال منهم الذين نشطنا معهم ورشات الرسم والكتابة وغيرها، للتعبير عن جرحهم ومعاناتهم بطريقتهم الخاصة التي تريحهم وتناسبهم. سهرت يوميا لمدة أشهر وسنوات مسكونة بصبر أيوب وبغضب نائم مثل البركان لم يعلمه إلا نحن، لإنجاز المكتبات وتوفير الكتب الملائمة في المدارس المنكوبة، العملية لم تكن سهلة طبعا مع من كانوا يريدون تكريس الجهل والانغلاق في المدارس. من ينسى نضالك المستميت من أجل خلق المطاعم المدرسية في تلك الأماكن التي استوطنها الموت والتي ودعت الكثيرين والكثيرين من أحبتها. أحبك الأطفال وأحبك الكبار لكل ما قدمته من أشياء ملموسة بمحبة وسخاء ونصائح ستبقى راسخة ومستمرة لقيمتها الكبيرة. نودعك الْيَوْمَ ونحن متأكدين أنك معنا وأنك لم تغيبي وسنستمر في الاستماع إليك وستكونين حاضرة في كل اللقاءات المقبلة التي هيأت وخططت لها قبل رحيلك. غبت وأنت تفكرين في كيفية مساعدة اللاجئين السوريين والأفارقة وأنت تكررين دون تعب ودون تردد جملتك العميقة " كنّا نشبههم ذات غزو وذات استعمار استيطاني وذات عشرية سوداء"
عدد المطالعات لهذا المقال : 148


أضف تعليقك :
: الإســــــم
: البريد الإلكتروني
: نص التعليق

مقالات في نفس الفئة