هــام

ربيعيات

درس الحياة

صورة الكاتب
أول كتاب لسنة 2018 انتهيتُ من قراءته قبل ساعات. قبل أن أغلق حقيبة سفر العودة إلى البلاد بعد أن قضيت أياما في "نورمانديا". واحد من الكتب التي أُهدِيَتْ لي من طرف الأصدقاء بمناسبة رأس السنة الجديدة. من حسن الحظ في هذا الركن من الأرض مازال يُحتفل بالكتب كرافد للحياة في خفقتها. كتاب Le grand voyage de la vie أو "السفر الكبير للحياة" أهدتنيه صديقتي إيلين دانيال في مغلف أنيق. أهديتها بدوري كتاب (نجمة) لكاتب ياسين .إيلين صديقة لأكثر من عشرين سنة . تعمل وزوجها أستاذين في جامعة كاون. هديتها لي كتاب للرحالة، وصحفي الحروب، والحكيم الإيطالي تيزيانو تيرزاني ( فلورنس 1938 -2004). بمقدمة لكريسوف أندري، وبترجمة جميلة لفابيان أندريا كوستا. كتاب يجرك من خيوط القلب الخفية، الضوئية الملونة، ويجرجرك في ممراته الناعمة تارة والقاسية تارة أخرى بأنفاس متقطعة، إلى أن تنهي صفحاته ولا تنتهي منه. تجد نفسك مسكونا بأجوائه تحلل خلفياتها، و تحاول تفكيك خيوطها، وفتح كواها على ما لم يقله
. تيزيانو تيرزاني لم يكن مجرد صحفي ملتزم، و مراسل حرب كبير لصحف عالمية و ناقل لأخبار حروب عديدة لأكثر من ثلاثين سنة، وواصفا بأمانة ما تنسجه مخالبها السامة من أنواع المآسي للبشر، وملاحِظا بدقة للمعادلات العسكرية في ساحة المواجهة عن قرب، بل كان أيضا إنسانا يقظ الحواس، ملتزما جوانيا، وكأن ما كان ينقله للصحف الكبرى عن الحروب وعن الأحداث السياسية الكبرى، وتاريخ النصف الأخير من قرن الماضي الذي شهد الاستقلالات الوطنية، والحرب الباردة، وتفكُّك الاتحاد السوفياتي والأنظمة الشيوعية، وحروب الفيتنام، وتشكل الاتحاد الأوروبي. لم يدّع أنه مؤرخ فذ، فكل ما في الأمر كأن الأمر كله كان يعنيه ويمس أعماقه، فيغير الأحكام المسبقة التي كان يحملها، وأحيانا يصل إلى العصف بقناعاته عند المحك، وهو يدوس النار ويشاهد جروح الآخرين، في حروب الأقوياء تكسر حيوات الضعفاء. إنها حياته في حرارتها الحارقة، جعلته يتوصل إلى قناعته التي صرح بها كمراسل حرب في قولته الشهيرة: ( كنت مخطئا حين كنت أعتقد أن الحرب مواجهة قصوى للبحث عن الحقيقة. أبدا. الحرب لا تنتج سوى الحرب) قراءة كتب تيزيانو تيرزاني مغامرة داخل مغامرة. حياة مفخخة ملفوفة في سيلفان حياة. الكتاب في شكل حوار مطول، وبوح يئن تارة ويقهقه أخرى، أجراه معه ابنه ( فولكو تيرزاني) بطلب من الأب نفسه في آخر أيامه، كي يقول ما لم يقله من قبل . قد يتبادر إلى الذهن أن كتب تيزيانو تيرزاني التي ترجمت إلى ألسنة بشر مختلفة، تعج بالرصاص، وأزيز الطائرات، ووقع خطو العساكر المطصفة المرصوصة الذاهبة نحو الحتف. حتفها أو حتف العدو. ويتخيل أن بها دخانا كثيفا وخطبَ انقلابات، وبها صوت سقوط رهيب في هاوية ما، وبها رائحة الدماء المختلطة فوق التراب وتحته. هو الذي رصد في كتابه (سقوط سايغون) الصادر سنة 1975و في كتابه ( رسائل ضد الحرب ) سنة 2002، لكن الأمر أعمق من ذلك بما أن الضد يوقظ ضده، ففي طقطقة النيران استيقظ تيزيانو على صوت آخر جواني يكلمه، وكان ذلك في كتابه ( إله قال لي ) سنة 1997بعد انعزل نهائيا سنة 1990في كوخ بعيد عن أهوال البشر ليتأمل الحياة بقلبه، ويتأمل الموت أيضا. الموت الذي لم يفاجئه في سَلْطناته المغلقة، فأتاهُ بنفسه لينتظره بهدوء في كوخه المنعزل إلا من حرارة الطبيعة الدافقة. في مقره النائي المنعزل مثل كاهن، مسكونا بالفلسفة الهندية التي اكتشفها في رحلته، من كوخه النائي كان تيزيانو يغتسل من أدران حروب البشر بكل أشكالها. من أحقادهم وشرور طغاتهم. ويعيد النظر هازئا من النظريات المخشبة. ينصت إلى جزئيات الكون. يمتزج بالطبيعة ويطل بهدوء من نافذة الروح على جسده الواهن، وكأنه خارج هذا الجسد الذي يتحلل أمام عينيه، رافضا أن يعلله أو يداويه، ينظر إلى تفاصيله وكأنه يتجول في سكون بين ممرات مقبرة هادئة. ويرفض اللقاءات والزيارات إلا ما ندر منها، ولكنه يطلب حضور ابنه فولكو الذي حرمته طبيعة عمله أن يشبع من أبوته له، وهو الذي تنقل بين دلهي وبانكوك وبكين وطوكيو وسنغافورة وسايغون وغيرها، وكأنه يمنحه ما لم يمنحه لغيره، بوحه الذي حلم به الكثير من الصحفيين الذين طالما طلبوا منه مقابلة أو حوارا. كتاب سيرة تيزيانو تيرزاني (النهاية هي بدايتي) أو (السفر الكبير للحياة) في أكثر من خمسمئة صفحة، ليس مجرد حوار ثري في فلسفة الحياة والموت، بين أب وابنه، بل إنه درس عظيم عن عروق الحياة النابضة في الموت ، والموت النابض في عروق الحياة. يتركه تيزيانو للقارئ/ الإنسان كيفما كانت منابعه الثقافية، يلقيه دون ادعاء للبطولة أو النبوة أو الخوارق. شكرًا إيلين .. اللعنة على الحروب. كل عام وأنتم بخير يا عشاق السلام
عدد المطالعات لهذا المقال : 206


أضف تعليقك :
: الإســــــم
: البريد الإلكتروني
: نص التعليق

مقالات في نفس الفئة