هــام

زينب فواز .. المؤسسة المنسية

صورة الكاتب
 زينب فواز " 1844-1914" من الرائدات العربيات اللواتي جعلن من الإبداع في كل تنوعه شعرا وقصة وحكاية شعبية ومسرحا ومقالة صحفية أدبية أو سياسية سلاحا من أجل تحريك المجتمع ولمس مكامن تخلفه، إذ كانت القضية الأساسية هي التعليم للوقوف في وجه التخلف ووجه المستعمر على حد سواء، لأن الجهل يفسح الطريق لكل ما يمكنه أن يدمر مجتمعا من المجتمعات. زينب فواز كتبت نصا روائيا " حسن العواقب" نشر سنة 1899، أي 15 سنة قبل رواية هيكل "زينب" التي نشرت سنة 1914 أي في السنة نفسها التي توفيت فيها زينب فواز كما شاءت الصدف، رواية زينب التي اعتبرت أول رواية عربية بامتياز. أسئلة كثيرة تتبادر إلى الذهن، وأولها وأهمها لماذا كل هذا الإجحاف في حق زينب فواز؟ وما هي أسبابه المعلنة والخفية؟ هل سببه المباشر هو المركزية المصرية ثقافيا وأدبيا حتى يكون التأسيس الروائي نابعا منها. أم هو نسيان فقط لا علاقة له بأية قصدية مسبقة؟ أم هو الواقع الاجتماعي وتقاليده التي حاولت أن تطمس أصوات وأقلام بعض النساء اللواتي سمحت لهن ظروفهن الاجتماعية ومحيطهن تحصيل درجة ونوع من التعليم، فتح لهن منافذ أخرى لطرح قضايا المجتمع بشكل عام وقضايا المرأة بشكل خاص. أم المشكل مرتبط بهيمنة الفكر الذكوري المستشري آنذاك والذي قلصت من حدته نوعا ما الهيمنة الإنجليزية بتغيير القوانين العامة، التي أعطت للمرأة حقها الأدنى وسمحت لها الدخول إلى بعض المجالات التي كانت مبعدة عنها ومقصية بشكل كبير. نشأت زينب فواز في مسقط رأسها، ببلدة تبنين، التي كانت حينها مقر إمارة علي الصغير والتي كان يرأسها علي بك الأسعد. تقربت الأديبة الطموحة والحالمة زينب فواز، من نساء آلِ الأسعد واختلطت بهن فتعرفت على مشاكلهن وهواجسهن ولمست قضاياهن الحميمية، ومنهن الأميرة فاطمة زوجة علي بك الأسعد المثقفة والكاتبة، التي ستصبح البطلة والشخصية الأساسية لروايتها "حسن العواقب" . تزوجت بأحد أفراد حاشية خليل بك فلم يدم زواجها به طويلا. قررت مغادرة الشام برفقة والدها، لتتوجه إلى الحلم الكبير الذي كان يسكنها والمتمثل في مدينة الإسكندرية التي كانت قلعة للحرية والثقافة والفن والعلم. كرست وقتها واهتمامها للدراسة وكسب المعرفة لإشباع طموحها وفضولها المتزايد لكل ما هو جديد ومختلف. عادت بعدها إلى دمشق محملة بنفس الحرية وتراكما جميلا من الثقافة والمعرفة، عاملة على تكريس كل ذلك في ترقية مجتمعها، والعمل على المشاركة في دحر الأفكار الرجعية مسهمة بذكاء كبير في طرح قضية حرية المرأة. تتزوج بحثا عن السكينة والطمأنينة والاستقرار، لكنها سرعان ما تدرك أن زواجها من الكاتب الشامي أديب نظمي لن يعمر طويلا، لأنه تحول إلى عائق حقيقي أمام حريتها ومشروعها الثقافي والاجتماعي إذ اصطدمت مرة أخرى بعقلية الرجل الشرقي. لم تنجب أطفالا وربما كان ذلك واحدا من الأسباب التي منعت زيجاتها من الاستقرار. تعرفت على ضابط مصري، أحبها بقوة، تزوجته وسافرت برفقته إلى القاهرة التي كانت حاضرة ثقافية عربية كبيرة الأهمية ، هناك كتبت نصها " الدر المنثور في طبقات ربات الخدور" حيث كان موضوع المرأة في مواجهة متغيرات الحداثة، والدعوة إلى رفض العقلية الأقطاعية والحث على العمل والمعرفة والتعليم. اختارت حوالي 456 امرأة من الغرب أرخت لهن واستخرجت أفكارهم الحية. جعلت من مصر مكان تفتحها وانبثاق أفكارها النيرة ونضالها حتى أصبحت واحدة من أهم الرائدات العربيات. نشرت مقالاتها التحررية بين الشام ومصر، في الأهالي، اللواء، الفتى وغيرها من الجرائد التي لعبت دورا كبيرا في الوعي الجمعي. اتسمت كتاباتها بالتنوع الكبير على مستوى المواضيع وعلى مستوى نوع الكتابة. جعلت من موضوع المرأة قضيتها المحورية، حاربت من خلالها الجهل والعقلية المتحجرة مطالبة بالحق في التعليم والمساهمة في الحركية الاجتماعية. تحتاج زينب فواز إلى مساحة أوسع وحيز أكبر للتطرق بإسهاب إلى كل إسهاماتها الكثيرة والمتنوعة والمهمة. شكرا للباحثة والناقدة السورية بثينة شعبان التي أخرجت زينب فواز إلى النور وشكرا للمثقف والمناضل اللبناني الكبير حبيب صادق الذي أهداني أعمالها ذات نشاط جميل وجلسة حميمية في بيروت.
عدد المطالعات لهذا المقال : 196


أضف تعليقك :
: الإســــــم
: البريد الإلكتروني
: نص التعليق

مقالات في نفس الفئة