هــام

نجمة قطبية اسمها لطيفة الزيات !

نجمة قطبية اسمها لطيفة الزيات !

صورة الكاتب
 وصلت السيارة من فندق *راديسون بلو* إلى المعرض الدولي للكتاب بالقاهرة. عند البوابة الرئيسية حضور كثيف من عشاق الكتاب؛ من مختلف الأجيال . حركة دؤوبة وموسيقى وأناشيد وأغان وبائعو المكسرات والمشروبات المنعشة. الجوّ حار نسبيا. شيء من المرح يسود الجوّ. وكأن الموعد جزء من الحياة. تفصيل صغير منها. دخلنا المبنى المركزي الكبير. اقتربنا من بوابة القاعة المخصصة للمحاضرات والندوات واللقاءات مع القرّاء، حيث موعد لقائي. الممرات مضاءة والبسط حمراء والألوان زاهية تضفي الراحة على النفس. في المدخل وعلى شاشة ضخمة تبث حوارات متتالية مع فنانين مصريين مشهورين . يعجبني احترام المصريين لفنانيهم ومحبتهم العميقة لهم . وأنا أقترب من القاعة الشرفية ، تتجلى لي أكثر صور مختلفة الأحجام على باب قاعة المحاضرات وجدرانها الخارجية والداخلية . إنها صور وجه وابتسامة لسيدة أعرفها. القاعة تحمل اسم الكاتبة الراحلة *لطيفة الزيات*. لست أدري أي شعور انتابني. هل هو الفرح أم الحزن، أم الاطمئنان على الذاكرة من النسيان . شعور أعادني إلى أكثر من عشريتين من الزمن عندما جاءت الأديبة لطيفة الزيات إلى الجزائر ، حين التقيت بالكاتبة والمناضلة الإنسانية لطيفة الزيات . التقيتها في الجزائر . وكانت لنا أمسيتان أدبيتان في مركزين جامعيين وفي مدينتين مختلفتين. السفر يسمح لك باكتشاف جوهر الإنسان المختبئ في داخل مرافقك. تحدثنا كثيرا. ضحكنا حين علمنا أننا من نفس البرج. برج الأسد . وعلى الرغم أنها من جيل والدي، بل أكبر منه بسنوات. فهي من مواليد مصر 08 أوت 1923، إلا أنني شعرت وهي تتحدث بعمق وحرارة، وهي تسرد الأفكار وتحللها، فكأنها داخل جسد ليس على قياسها، إنه يثقل روحها الحرة ويبطئ حركتها. إنها تقاومه، كما تحاول أن تقاوم الأفكار البالية حولها، والتي تثقل كاهل مجتمعاتنا. لطيفة سيدة مثقفة، مرهفة الحس، متينة العزيمة، قوية الشخصية. لم تترك الحياة تمر من بين أصابعها مثل حبات رمل، بل كمشت عليها بكل قواها، وكل ذلك بتثقيف نفسها والعمل على نحتها كل يوم، حتى أصبحت رمزاً من رموز الثقافة والأدب، وواحدة من رائدات النضال النسائي في مصر. وبسبب أفكارها الثورية والسياسية المناهضة للتطبيع الثقافي، فقد تم اعتقالها في سبتمبر من سنة 1981 ولم يطلق سراحها إلا في 13 يناير 1982. سجلُّها حافل بالريادة في جميع المجالات التي غامرت بشجاعة في دخولها والخوض فيها، زادُها ثقافتها ولغاتها وحبها للاستزادة و المعرفة ، هي التي عملت أستاذة للأدب الإنجليزي بكلية البنات جامعة عين شمس، وكتبت أعمالا أدبية متميزة وعميقة، ما فتئت تثير انتباه القرّاء والنقاد على السواء، ذلك لأن لطيفة الزيات لا تكتب من برج عاجي، ولا برج مراقبة، بل من نبض شرايين الحياة في حركتها المستمرة، وفي تناقضاتها ومفاجآتها. كتبُها الأدبية المختلفة لصيقة بنبض الحياة السريع والمتجدد، في عمقها وبعدها الإنساني النفسي والاجتماعي . كتبت روايتها الجميلة * الباب المفتوح * سنة (1960) . ولأنها لا تكتب لمجرد الحضور بل لتقول شيئا تراه ضروريا للبوح، فقد توقفت عن النشر لمدة طويلة قبل أن تنشر مجموعتها القصصية * شيخوخة وقصص أخرى* سنة (1986) . لطيفة الزيات أهدتني مجموعتها هذه في الجزائر خلال زيارتها وإقامَتِنا أمسيتين أدبيتين في مدينتين مختلفتين. وكانت الإبتسامة طوال الزيارة لا تفارق وجهها السمح . سلمتني ( شيخوخة- وقصص أخرى )بعد أن خطت عليها كلمة إهداء رقيقة. ومازلتُ أحتفظ بالمجموعة في مكتبة بيتي. ولأنني حينها كنت أعدُّ وأقدِّم برنامجا إذاعيا عنوانه ( حواء والدنيا) ، كان برنامجا أسبوعيا واسع الانتشار بين المستمعين والمستمعات، فقد خصصتُ مائدة مستديرة حول كتاب لطيفة الزيات (الشيخوخة وقصص أخرى) ، فلاقى ذلك تفاعلا حارا وجميلا. وبعد مرور سنوات قدمتُ الكتاب لموضوع مقترح للبحث لأحد طلبتي في الماجستير ، أعاد لي الطالب الأمين الكتابَ بعد انتهاء بحثه الممتاز عنه في جامعة وهران، حيث كنتُ أدرّس قبل انتقالي للتدريس في الجامعة المركزية بالعاصمة . نشرت لطيفة الزيات بعد مجموعتها القصصية سيرتها الذاتية *حملة تفتيش أوراق شخصية* سنة 1992. ولأن الأديبة لطيفة الزيات كانت تريد أن تقول الحياة والمجتمع في أعمق نبضهما، فقد ألّفت مسرحيتها *بيع وشراء* سنة (1994). وبعدها أخرجت إلى النور روايتها الجميلة *صاحبة البيت * سنة (1994)، ولَم تتوقف عن الكتابة على الرغم من مرضها العضال، بل إنها قبل وفاتها بسنة نشرت روايتها القصيرة * الرجل الذي عرف تهمته*سنة (1995). لطيفة الزيات بأدبها الجميل كما بنضالها افتكٰت بجدارة مكانتها وحضورها. هي التي حصلت على درجة الأستاذية سنة 1972 ، وترأست قسم النقد الأدبي والمسرحي بمعهد الفنون المسرحية، وكانت عضوا بمجلس السلام ، وبلجنة القصة بالمجلس الأعلى للثقافة. كما أنها أشرفت على الملحق الأدبي لمجلة الطليعة بمؤسسة الأهرام. ثم توجت بجائزة الدولة التقديرية للأدب سنة 1996. دخلتُ قاعة المحاضرات المسماة (لطيفة الزيات)، كان وجه لطيفة الزيات يبتسم من كل مكان فيشع النور. سمعت صوتها مبتسما مرحبا بحرارة: - أهلا ربيعة ..الجزاير نورت مصر.! كان الميكروفون ينقل صوتي بتحيتي إلى روح لطيفة العذبة المُرفرفة بين الحضور. من قال إن لطيفة الزيات قد انطفأت شمعتها في الأرض؟! .. إرفع رأسك قليلا ستراها.. إنها تحولت نجمةً تتلألأ في السماء.!
عدد المطالعات لهذا المقال : 120


أضف تعليقك :
: الإســــــم
: البريد الإلكتروني
: نص التعليق

مقالات في نفس الفئة