من عمق الصحراء الجزائرية، وبالتحديد في ولاية تندوف بأقصى جنوب غرب البلاد، يُقدَّر لجغرافيا المكان أن تقهر ما كان يسمى بالأمس مستحيلا، وتستجيب بكل فخر واعتزاز للإرادة السياسية، التي رفعت التحدي الوطني الكبير، واستنهضت من تحت الردوم وما بين الصدوع مشروع منجم غارا جبيلات الضخم ذي الاحتياطي الهائل من خام الحديد الذي يتجاوز الـ3.5 مليار طن، لتصنع بإنجازه اليوم تاريخ فجر جديد تم خطّه في زمن قياسي ليؤسس لاقتصاد واعد وفارق في عديد المؤشرات ذات البعد الإستراتيجي، وهو الذي ظل لعقود خلت حلما كبيرا مؤجلا وقرارا سياديا موقوف النفاذ لعدة اعتبارات وعقبات وتعقيدات، كان أشدها تأثيرا وأثقلها وطأة ما تعلق منها بالتكلفة الباهظة للمشروع وافتقاده للإنشاءات الهندسية الكبرى التي تتطلبها عمليات نقل الشحنات المنجمية إلى غير ذلك من الأساسيات التي تضمن له النجاح والنجاعة.
ويكفي أن يشار إلى قدم الحديث عما يكتنزه منجم غارا جبيلات من ثروة هائلة من خام الحديد، لتقدير حجم التحديات التي رفعتها الدولة بقيادة رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، الذي نفض عنه الغبار وأعاده إلى الواجهة عملاقا من تحت الأرض لا يستحق إلا أن ينتعش فوقها من جديد، وقد كان قبل عهده ملفا مركونا على الرف رغم أهميته الاقتصادية في تنويع الاقتصاد الوطني وخلق الثروة، حيث يعود اكتشاف هذا المنجم خلال الحقبة الاستعمارية، وتحديدا في عام 1952 بتندوف، وقد ظلّ على تلك الحال وحتى بعد الاستقلال نسيا منسيا لمدة عقود، بسبب الصعوبات اللوجستية التي كانت تحاصره من كل جانب، قبل أن يتقرر في غضون سنة 2021 اتخاذ خطوة جادة لاستغلاله رغم الإلمام بصعوبة التنفيذ وحجم التحديات المالية والتقنية واللوجستية التي تنتظره، والمتعلقة تحديدا بالكلفة العالية لعمليات التنقيب والربط بشبكة النقل السككي الممتدة على بعد مئات الكيلومترات، إلى جانب ما يتطلبه الأمر من معالجة ضرورية للفوسفور العالق في خام الحديد لجعله قابلا للاستخدام الصناعي في مصانع الصلب، ثم بعدها وتحديدا بتاريخ أوت 2022، يعلن رسميا البدء الفعلي في الاستثمار المنجمي بالموقع، وانطلاقا من تلك المرحلة الفارقة وما قدمته الدراسات وخبرات المهندسين والتقنيين عن تفاصيل دقيقة حول هذه الثروة النائمة في هدوء، تم وصف مشروع بعث المنجم إلى الحياة بـ"مشروع القرن"، الذي رسم له هدف استخراج ما وزنه مليونين إلى 3 ملايين طن سنويا في المرحلة الأولى من الاستغلال، على أن يرفع هذا الحجم مستقبلا إلى 50 مليون طن سنويا.
كذلك أرفق هذا المشروع المنجمي بإنشاء خط سكة حديدية ضخم يربط تندوف ببشار على مسافة تقارب 950 كلم من أجل نقل الخام المستخرج من منجم الحديد غارا جبيلات إلى وجهته الموالية، قبل وصوله إلى مصانع وموانئ الشمال، وهو الذي تحول أيضا إلى إنجاز محقق في الميدان خلال فترة زمنية توصف هي الأخرى بالقياسية وبسواعد جزائرية عملت جنبا إلى جنب مع الشريك الصيني في ظروف اتسمت بغاية في الصعوبة في عدة محطات وفترات زمنية.
هذا الإنجاز الكبير الذي أضحى واقعا مجسدا ومرفقا ببنية لوجستية متكاملة تضمن الاستغلال الأمثل للثروة المنجمية بالموقع، وتجعله ضمن أبرز روافد ترقية الصادرات خارج المحروقات، هو اليوم يخطو أولى خطواته نحو دعم صناعة الحديد في بلادنا بالمادة الخام قبل أن يتم تثمينها داخليا عبر التصنيع ومن تم التوجه نحو التصدير بكميات وهوامش أرباح أعلى بكثير مما كانت عليه في السابق من خلال اختزال نفقات استيراد المادة الأولية، كذلك يبقى لافتا ومهما جدا لدى الجزائريين أنه بشروع هذا المنجم والخط السككي المرفق به في النبض، فإن عديد القطاعات الحيوية ستنبض هي الأخرى بالحياة، وتتحرك فيها الورشات والسواعد، وهذا بحد ذاته مكسب وازن للمنطقة وللاقتصاد الوطني، كونه يوفر في مجال سوق العمل ما بين 15 ألفا إلى أكثر من 20 ألف منصب شغل، كما يغذي بمنتجاته احتياجات قطاعات التعدين والسكن والصناعات الثقيلة والميكانيكية من مادة الحديد، فضلا عما يسهم به على الصعيد الاقتصادي والجيوإستراتيجي في رفع عائدات مصانع المعالجة الأولية والإنتاج الموزعة عبر ولايات تندوف والنعامة وبشار ووهران وجيجل وعنابة عند تصدير منتجاتها الجديدة بالعملة الصعبة، لاسيما أن التوجه المستهدف في عمليات التصدير والتسويق خارج الحدود هو طرق العمق الإفريقي، حيث يعول على المشروع تحقيق إيرادات هامة من العملة الصعبة عند التشغيل الكامل له.
أكتب تعليقك