غيّب الموت المجاهد والرئيس الأسبق اليمين زروال عن عمر ناهز الخامسة والثمانين سنة، حيث ترك هذا الرجل بصمات عميقة في تاريخ الجزائر الحديث من خلال مواقفه الوطنية والدولية التي سعى من خلالها إلى خدمة المصالح العليا للشعب والوطن في مختلف المحافل العربية والدولية.
وبهذا تكون الجزائر قد فقدت رجل دولة وقائدًا تميّز بصلابته تجاه كل ما يخص البلاد، في مرحلة حاسمة من تاريخها؛ حيث تولّى زمام الحكم والجزائر تعيش حينها إرهابًا أعمى أتى على الحرث والنسل، إذ كان الشعب يسمع يوميًا أخبار التقتيل والموت الذي كانت تمارسه الجماعات الإرهابية المتطرفة، ناهيك عن التفجيرات التي خرّبت معظم المرافق العمومية والخاصة في تلك الفترة من سنوات التسعينيات، لاسيما تفجير المطار الدولي للجزائر ومقر الأمن الولائي للعاصمة بشارع العقيد عميروش.
وكان فقيد الجزائر متّسمًا بشخصيته الهادئة والمتواضعة، حيث كان حازمًا في قراراته الوطنية، سواء الداخلية منها أم الخارجية، خاصة وأن غالبية الدول كانت تسعى إلى عزل بلادنا جراء ما عرفته من أزمة أمنية داخلية. فتعامل الرئيس الراحل زروال مع جلّ الأزمات التي مرّت بها الجزائر في تلك الفترة بالهدوء والعقلانية، مُغلّبًا مصلحة الأمة والشعب.
فكانت مواقفه منسجمة مع سيادتنا الوطنية، سواء في علاقات الجزائر الدولية أو في تعامله مع أبرز الملفات الاستراتيجية الحساسة، خاصة الاقتصادية منها، إذ حرص على استقلالية القرار الوطني بعيدًا عن كل الضغوطات الدولية آنذاك.
وخلال فترة رئاسته لدواليب الحكم في الجزائر، أطلق إصلاحات سياسية بارزة، من بينها التعديل الدستوري لعام 1996، الذي حدّد عدد العهدات الرئاسية بعهدتين، كما أُنشئ بمقتضاه مجلس الأمة كغرفة ثانية للبرلمان، في رؤية مستقبلية ترمي إلى تعزيز وتوطيد التوازن المؤسساتي للبلاد.
وفي الجانب الأمني، الذي كانت الجزائر تعيش يومياته الدموية، أطلق الرئيس الأسبق الراحل زروال عام 1995 مشروع «قانون الرحمة»، الذي سمح، بموجب أحكامه، لعناصر من الجماعات المسلحة الموجودة في الجبال بتسليم أنفسهم مقابل الاستفادة من إجراءات قانونية تخفيفية، الأمر الذي ساهم في تقليص حدة العنف والإرهاب تدريجيًا، رغم استمرار الاضطرابات الأمنية آنذاك.
وفي قرار مفاجئ، أعلن الفقيد اليمين زروال في سبتمبر 1998 تقليص ولايته والدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة، جرت في أبريل 1999.
وواجه اليمين زروال تحديات جمّة وكبيرة في ظل «العشرية السوداء» التي كادت أن تعصف ببلادنا، لولا الإرادة الراسخة للشعب الجزائري، وللجيش الوطني الشعبي وكافة قوات الأمن، الذين بذلوا تضحيات جسامًا من أجل بقاء بلادنا واقفة شامخة؛ حيث سعى اليمين زروال إلى تحقيق توازن بين المقاربة الأمنية ومحاولات التهدئة السياسية، وهو المجاهد الذي أحب وطنه وكافح من أجل نيل استقلاله وهو في ريعان شبابه.
ويبقى «قانون الرحمة» معلمًا مضيئًا في مساره السياسي كرجل دولة، حيث شكّل خطوة شجاعة وتاريخية لتهدئة الأوضاع الأمنية المتدهورة في البلاد آنذاك، أي خلال سنوات التسعينيات، كما مهّد لإقامة جسور الوئام المدني في نهاية فترة رئاسته.
وكان الراحل اليمين زروال قد تولّى رئاسة الدولة سنة 1994، قبل أن يُنتخب رئيسًا للجمهورية سنة 1995، كما أشرف على تنظيم الانتخابات الرئاسية لسنة 1999، لتنتهي بذلك فترة حكمه للبلاد. وهكذا تفقد الجزائر ابنًا بارًا ومخلصًا اتّسم بالتجرّد والتفاني في سبيل وطنه وشعبه.
أكتب تعليقك