دافع عن الوطن بكل ما أوتي من قوة وحكمة فقيد الجزائر : مسيرة فداء وإباء

تحاليل الجمهورية
فقدت الجزائر أحد أبنائها البررة، ورجل دولة من طراز رفيع، ووطنيًا مخلصًا لبلاده منذ نعومة أظافره إلى أن وافته المنية. رجل يملك مسيرة عظيمة، عظمة الرجال؛ كيف لا، وهو مجاهد التحق بصفوف الثورة الجزائرية وعمره لا يتجاوز آنذاك 16 سنة، حيث أدى واجبه الثوري والوطني ببسالة، لا سيما أنه ينحدر من عائلة ثورية مجاهدة. ولم يتوقف عند ذلك، بل استمر في العطاء للجزائر، متقلدًا مناصب عسكرية في الجيش الشعبي الوطني، إلى أن وصل إلى منصب وزير الدفاع الوطني سنة 1993. ومن هنا برز دوره كرجل دولة حقيقي، وظهر معدنه الوطني الأصيل، حيث أصبح رئيسًا لمجلس الدولة الانتقالي في فترة جدّ خاصة، كانت الجزائر بحاجة ماسّة فيها إلى أبنائها المخلصين، فتحمّل مسؤولية جسيمة داخليًا وخارجيًا، في ظروف اجتماعية واقتصادية صعبة جدًا، خلال فترة العشرية السوداء. وقد دافع عن الجزائر بكل قوة، وأوفى لها وأخلص إلى آخر حياته، والجميع يتذكر مقولته الشهيرة التي لا تزال ترنّ في قلوب الجزائريين، حين قال في مرحلة صعبة جدًا: «ستقف الجزائر من جديد، وستطرقون بابها مرة أخرى»، وكان ذلك ردًا على كل من كان يتشفّى في الجزائر آنذاك ويحاصرها من العدو والصديق، وهو ما تحقق فعلاً وعاشه الجزائريون واقعًا. لقد ودّعت الجزائر حقًا رجل اللحظات الصعبة، ومواقف قلّ نظيرها؛ كيف لا، وهو من ترأس المجلس الانتقالي في فترة حساسة كانت تعاني فيها البلاد من غياب مؤسسات الدولة. ثم عمل على تقليص الفترة الانتقالية، وعقد ندوة الوفاق الوطني سنة 1994، التي أفضت إلى قرار تنظيم انتخابات رئاسية سنة 1995. وبذلك استطاع الراحل إعادة الجزائر إلى الشرعية المؤسساتية والدستورية، وإخراجها من مأزق المرحلة الانتقالية ومطباتها الصعبة والخطيرة. كما فتح باب الترشح للجميع، رغم الظروف الصعبة، في انتخابات حرة تعددية فاز بها فقيد الجزائر، وكانت عرسًا حقيقيًا تلاحم فيه الشعب الجزائري مع قيادته، مسجلين انتصارًا كبيرًا على الإرهاب والجماعات الظلامية التي كانت تهدد كل من يخرج لأداء واجبه الانتخابي. ورغم التهديدات، خرج الشعب الجزائري استجابة لنداء الرئيس الراحل، لما لمس فيه من شجاعة ووفاء للتضحية من أجل الجزائر. وقد وُصف الرئيس الراحل بالرجل الشجاع، إذ جمع بين صرامة العسكري وجديته، وحكمة وهدوء رجل الدولة السياسي، وهو ما مكّنه من اتخاذ قرارات وُصفت بالشجاعة، من أبرزها إصدار قانون الرحمة لفائدة الجماعات المسلحة آنذاك، فكان بذلك من مؤسسي قواعد السلم والأمن، وساهم في حقن دماء الجزائريين، وفتح باب الحوار، فكان ذلك نواة لقانون السلم والوئام الوطني الذي جاء لاحقًا، ليكون رائدًا في إنهاء المأساة الوطنية التي عاشتها الجزائر. ولعل أبرز قرار اتخذه الرئيس الراحل هو تقليص فترته الرئاسية، وإعلان استقالته، وتنظيم انتخابات رئاسية سنة 1999، مقدمًا أسمى مثال على الرجل الوطني المخلص، الذي أدّى المهمة التي جاء من أجلها، وأعاد بناء مؤسسات الدولة، سواء رئاسة الجمهورية أو البرلمان بغرفتيه، أو الهيئات المنتخبة البلدية والولائية. فانسحب بهدوء، تاركًا الأمانة لمن جاء بعده، وعاد إلى بيته معززًا مكرمًا، ومتوجًا بحب الجزائريين. وقد عاد كمواطن عادي من قصر الرئاسة، ولعل الكثيرين يشهدون أنه، بعد حفل تسليم واستلام السلطة بينه وبين الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، أراد العودة برًا إلى مسقط رأسه من الجزائر العاصمة إلى ولاية باتنة، وهو ما يعكس بساطته وإنسانيته. وقد ظل كذلك بعد مغادرته السلطة، هادئًا منضبطًا، بعيدًا عن السجالات والمهاترات، محافظًا على إرثه التاريخي، وهو ما زاد من حب الجزائريين له، وإحساسهم العميق بالألم لفقدانه.

يرجى كتابة : تعليقك