قبل ساعات قليلة فقط من الموعد الذي ينتظره ملايين الجزائريين، وبينما يرفع كثيرون شعار "الثأر من النمسا"، اختار نور الدين قريشي أن يسبح عكس التيار… الرجل الذي كان شاهدا وضحية في آن واحد خلال "مهزلة خيخون “الشهيرة سنة 1982، يريد أن يدخل المنتخب الوطني مواجهة النمسا المقررة مساء اليوم ضمن الجولة الثالثة والأخيرة من دور المجموعات لكأس العالم 2026 بعقلية رد الاعتبار. وفي تصريحات خص بها "الجمهورية"، كشف أحد نجوم الجيل الذهبي للمنتخب الوطني أنه تواصل مع قائد المنتخب الحالي رياض محرز وطلب منه إيصال رسالة مباشرة إلى المجموعة، بينما عاد في الوقت نفسه إلى تفاصيل مؤلمة عاشها قبل 44 سنة، واستحضر لاعبا نمساويا ظل يعتذر له إلى يومنا هذا، كما قدم قراءة فنية صريحة لمشوار الخضر في المونديال الحالي.
ويبدو أن أكثر ما أزعج نور الدين قريشي خلال الأيام الأخيرة ليس الحديث عن أهمية مواجهة النمسا في سباق التأهل، وإنما الطريقة التي تم بها تسويق اللقاء لدى جزء من الشارع الرياضي الجزائري. فكلما اقترب موعد المباراة، عاد الحديث عن الانتقام والثأر وإغلاق حساب ظل مفتوحا منذ صيف 1982، وهي عبارات لا يتفق معها الرجل الذي عاش تلك الأحداث من قلب الملعب وما يزال يحمل آثارها النفسية إلى اليوم، ولأن قريشي يدرك حجم التأثير الذي قد تتركه هذه الخطابات على مجموعة شابة تعيش أغلب عناصرها أول تجربة مونديالية، فقد حرص على إيصال موقفه بشكل مباشر إلى لاعبي المنتخب الوطني عبر قائد الخضر رياض محرز، وفي هذا السياق، قال قوريشي: "تواصلت مع أحد أبرز لاعبي المنتخب الوطني وطلبت منه أن ينقل رسالة إلى زملائه. قلت لهم لا تسموها مباراة ثأرية، بل نريدها أن تكون فرصة لرد الاعتبار"، وأضاف قائلا: "أريدها مباراة لرد الاعتبار لجيل 1982 وللكرة الجزائرية، وليس مباراة انتقام. اللاعبون الحاليون ليست لهم أي علاقة بما حدث قبل أكثر من أربعة عقود، ويجب أن يلعبوا من أجل الجزائر ومن أجل حاضرهم ومستقبلهم، لا من أجل تصفية حسابات مع الماضي."
ورغم محاولته إبعاد الجيل الحالي عن ضغوط الماضي، إلا أن قريشي لا يخفي أن الحديث عن النمسا يعيده تلقائيا إلى واحدة من أكثر الليالي إيلاما في تاريخ الكرة الجزائرية، فبالنسبة إليه، لا يتعلق الأمر بمباراة خسرها المنتخب أو بإقصاء مؤلم فحسب، بل بحلم كبير كان على وشك أن يتحول إلى إنجاز تاريخي قبل أن يتبخر في ظروف استثنائية...ويسترجع الدولي السابق تلك الفترة بحسرة واضحة، خاصة وأن الجزائر كانت تخوض آنذاك أول مشاركة لها في كأس العالم بعد عشرين سنة فقط من الاستقلال، وكانت قد نجحت في فرض احترامها على أكبر المنتخبات، كنا نمثل الجزائر في أول مشاركة مونديالية بعد عشرين سنة فقط من الاستقلال، وكانت مشاركة تاريخية بكل المقاييس." وتابع: "ما حدث يومها لم يظلم الجزائر فقط، بل هز مصداقية الكرة الأوروبية نفسها."
ومع عودته إلى تلك الذكريات، استحضر قريشي جانبا من كواليس الساعات التي سبقت المباراة الشهيرة بين ألمانيا الغربية والنمسا، مؤكدا أن الشكوك كانت حاضرة داخل المعسكر الجزائري حتى قبل صافرة البداية، فبعد المردود الكبير الذي قدمه الخضر في البطولة، كانت كل الاحتمالات مطروحة، كما كان اللاعبون يدركون أن مصيرهم لم يعد بين أيديهم، وقال: "أتذكر جيدا أنني جلست مع مصطفى دحلب ليلة المباراة، وكنا نتحدث عن مختلف السيناريوهات الممكنة، خاصة وأن المنتخب كان قد بذل مجهودات كبيرة طوال الدورة." وتابع قائلا: "بعض اللاعبين كانوا يعانون من الإرهاق، وفي مقدمتهم لخضر بلومي الذي لم يخض سوى شوط واحد أمام النمسا وغاب عن مواجهة تشيلي.
ورغم كل ما حملته تلك المباراة من مرارة، يرفض قريشي وضع جميع أفراد المنتخب النمساوي في سلة واحدة. فوسط تلك الذكريات المؤلمة ما يزال هناك اسم يفرض نفسه كلما عاد الحديث إلى خيخون، وهو فالتر شاخنر، وبنبرة مختلفة عن باقي حديثه حول تلك الواقعة، تحدث قريشي عن اللاعب النمساوي بكثير من الاحترام، معتبرا إياه الاستثناء الوحيد في ذلك المشهد، وقال: "كان هناك لاعب نمساوي واحد فقط لم يرغب في الاندماج ضمن ذلك النظام، وهو فالتر شاخنر فكان لا يريد أن يكون جزء من تلك المباراة “ثم كشف قائلا: "التقيته أكثر من مرة في باريس بعد سنوات طويلة من الواقعة، وكان يعتذر لي في كل مرة تقريبا عما حدث، بالنسبة لي، بقي شاخنر الاستثناء الوحيد في تلك القصة."
وبعيدا عن ذكريات الماضي، تابع قريشي مشوار المنتخب الوطني الحالي بعين اللاعب السابق والمدرب والمحلل في الوقت نفسه. وعند حديثه عن الهزيمة أمام الأرجنتين، رفض اختزال النتيجة في الفوارق الفنية أو قيمة المنافس فقط، ويرى المتحدث أن المنتخب الوطني دخل المواجهة وهو يحمل قدرا كبيرا من الرهبة، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على الأداء داخل أرضية الميدان، وقال: "الأرجنتين منتخب أسطوري وسيظل كذلك لسنوات طويلة، لكننا لم نكن سيئين كما يعتقد البعض فالمشكلة أننا دخلنا المباراة بخوف كبير. وتابع: "شعرت بأن اللاعبين كانوا يفكرون في أسماء النجوم الذين يقفون أمامهم أكثر مما يفكرون في إمكانياتهم." كما اعتبر أن وسط الميدان دفع ثمنا باهظا لتلك الحالة النفسية، مضيفا: "ارتكبنا أخطاء عديدة في وسط الميدان، وأعتقد أنها كانت وراء الأهداف الثلاثة التي تلقيناها."
• أخطاء الأرجنتين تكررت أمام الأردن
ورغم أن الفوز على الأردن أعاد المنتخب الوطني إلى سباق التأهل، إلا أن قريشي يرى أن بعض النقائص التي ظهرت في المباراة الأولى لم تختف تماما، فمن وجهة نظره، فإن النتيجة الإيجابية لا يجب أن تحجب بعض الاختلالات التي تستوجب المعالجة قبل مواجهة النمسا وقال: "لاحظت تكرار بعض المشاكل نفسها، خاصة على مستوى وسط الميدان وزروقي بدا خارج التغطية في بعض الفترات، أو ربما كان يؤدي أدوارا فرضتها عليه التعليمات الفنية." كما أشار إلى البطء الذي ميز التحولات بين الدفاع والهجوم، معتبرا أن ذلك أثر على قدرة المنتخب في التحكم بمجريات اللقاء.
وعند تحليله لمباراة الأردن، لم يربط قريشي تراجع المستوى الفني بقوة المنافس فقط، بل أعاد الأمر أساسا إلى الضغط الكبير الذي كان يثقل كاهل اللاعبين، فالمنتخب دخل اللقاء وهو يدرك أن أي نتيجة غير الفوز قد تعقد حساباته بشكل كبير، وهو ما انعكس على القرارات الفنية وعلى طريقة إدارة العديد من فترات المباراة، وقال: "المنتخب كان يلعب تحت ضغط كبير جدا فالجميع كان يفكر في الفوز ولا شيء غير الفوز." وتابع: "الرغبة الكبيرة في الوصول إلى المرمى جعلت اللاعبين يتسرعون في كثير من الأحيان، وبعد الهدف الذي تلقيناه أصبحت الأمور أكثر صعوبة من الناحية النفسية."
وفي نهاية الحوار، عاد قريشي إلى الرسالة التي أراد إيصالها منذ البداية. فالرجل الذي عاش مرارة خيخون من الداخل لا يبحث عن انتقام متأخر، بقدر ما يبحث عن لحظة إنصاف رمزية لجيل ما زال اسمه محفورا في ذاكرة الجزائريين، وقال: "لا أريد أن يرد اللاعبون على خيخون بالغضب أريدهم أن يردوا عليها بالفوز." وختم نور الدين قريشي قائلا: "إذا نجحت الجزائر في تحقيق نتيجة إيجابية، فلن تغير ما حدث سنة 1982، لكنها ستمنح جيلا كاملا من الجزائريين شعورا بأن الكرة منحتهم أخيرا فرصة لمصالحة الذاكرة."
أكتب تعليقك