نظمت مصلحة جراحة الأنف والأذن والحنجرة بالمؤسسة الاستشفائية الجامعية أول نوفمبر 1954 بوهران، تحت إشراف رئيس المصلحة البروفيسور فرقوق إبراهيم يوماً علمياً تكوينياً حول إعادة تأهيل المرضى المستأصلين للحنجرة، تحت شعار "كسر الصمت... وإعادة بناء المستقبل"، بمشاركة أطباء ومختصين في المجال.
ويهدف هذا اللقاء العلمي إلى التعريف بأحدث التقنيات المعتمدة في إعادة التأهيل الصوتي لمرضى استئصال الحنجرة، وتمكينهم من استعادة القدرة على التواصل والاندماج مجدداً في الحياة الاجتماعية والمهنية، بما ينعكس إيجاباً على جودة حياتهم.
وفي هذا الإطار أوضح البروفيسور إبراهيم فرقوق أن المصلحة برمجت، تزامناً مع فعاليات الملتقى، عمليتين جراحيتين لمريضين يبلغان من العمر 41 و55 سنة، تم خلالهما زرع البدلة الصوتية (Prothèse phonatoire)، وهي تقنية حديثة تعتمد لأول مرة على مستوى ولايات الغرب الجزائري، وتشكل نقلة نوعية في مجال إعادة التأهيل الوظيفي لمرضى استئصال الحنجرة.
وأشار المتحدث إلى أن عملية الاستئصال الكلي للحنجرة تعد من أكثر العمليات الجراحية تعقيداً، نظراً لما تترتب عنها من مضاعفات تؤثر بشكل مباشر على الحياة اليومية للمريض، أبرزها فقدان القدرة على الكلام الطبيعي، وتراجع حاسة الشم، إضافة إلى اضطرابات في البلع والتنفس، حيث يصبح التنفس عبر الفتحة الرغامية
وأضاف أن البدلة الصوتية عبارة عن جهاز صغير يُزرع جراحياً بين القصبة الهوائية والبلعوم، ويسمح للمريض، بعد فترة من التدريب والتأهيل، باستعادة القدرة على النطق بصوت قريب جداً من الصوت الطبيعي، وهو ما يساهم في الحد من العزلة الاجتماعية والتخفيف من الآثار النفسية لفقدان النطق، فضلاً عن تسهيل العودة إلى الحياة المهنية، خاصة بالنسبة للأشخاص الذين تتطلب طبيعة عملهم التواصل الدائم.
وأكد البروفيسور فرقوق أن مصلحة الأنف والأذن والحنجرة بالمؤسسة الاستشفائية الجامعية بوهران أصبحت منذ افتتاحها سنة 2008 قطباً صحيا مرجعياً يستقبل المرضى من مختلف ولايات الغرب الجزائري، حيث تُجرى بها سنوياً ما لا يقل عن 50 عملية استئصال كلي للحنجرة بسبب السرطان.
وأوضح أن أغلب المرضى يصلون إلى المستشفى في مراحل متقدمة من المرض، ما يجعل خيار الاستئصال الجزئي غير ممكن، ويضطر الفريق الطبي، بعد دراسة الملفات من قبل لجنة متعددة التخصصات تضم أطباء الأورام والعلاج الكيميائي والعلاج بالأشعة، إلى اتخاذ قرار الاستئصال الكلي باعتباره الحل العلاجي الوحيد.
وأشار إلى أن التكفل بالمريض لا ينتهي عند إجراء العملية، بل يمتد إلى مرحلة المتابعة الطبية الدورية، حيث تتطلب البدلات الصوتية استبدالها كل ستة أشهر، مع توفير الرعاية الطبية اللازمة لضمان فعاليتها وتحقيق أفضل نتائج التأهيل.
كما أبرز المتحدث التطور الكبير الذي شهدته المصلحة خلال السنوات الأخيرة، سواء من حيث التجهيزات أو التقنيات الحديثة، مشيراً إلى اعتماد الملف الطبي الإلكتروني الذي ساهم في تحسين متابعة المرضى وتسهيل مراقبة تطور حالتهم الصحية، فضلاً عن إدخال تقنيات التنظير الداخلي والعلاج بالليزر، والتي فتحت آفاقاً جديدة في جراحة الحنجرة وعلاج انسدادات القصبة الهوائية، بعد تنظيم ملتقى علمي متخصص حول استخدامات الليزر في هذا المجال.
وفي سياق متصل، وجه البروفيسور فرقوق رسالة توعوية للمواطنين، شدد فيها على أن التدخين يبقى السبب الرئيسي للإصابة بسرطان الحنجرة وسرطانات الجهاز التنفسي، داعياً إلى تكثيف حملات التحسيس للحد من هذه الآفة.
وأكد أن مخاطر التدخين لا تقتصر على المدخنين فقط، بل تشمل أيضاً ضحايا التدخين السلبي من أفراد الأسرة وزملاء العمل، مشيراً إلى تسجيل حالات إصابة بسرطان الحنجرة لدى نساء غير مدخنات بسبب تعرضهن المستمر لدخان التبغ داخل المحيط الأسري أو المهني
وفي سياق فعاليات اليوم العلمي التكويني، أكد الدكتور أوسليم نصر الدين، طبيب مساعد بمصلحة أمراض الأنف والأذن والحنجرة بالمؤسسة ، أن تنظيم هذا اللقاء يندرج في إطار تعزيز التكفل بمرضى استئصال الحنجرة، ومرافقتهم خلال مرحلة إعادة التأهيل، بما يضمن لهم استعادة القدرة على التواصل والاندماج مجدداً في حياتهم الاجتماعية والمهنية.
وأوضح المتحدث أن التدخين يظل العامل الأول و المسبب لأورام الحنجرة، يليه استهلاك الكحول وهو ما يستوجب تكثيف جهود الوقاية والتوعية.
وأشار الدكتور أوسليم إلى أن علاج أورام الحنجرة يختلف باختلاف مرحلة المرض، إذ قد يقتصر على استئصال جزئي للحنجرة يسمح للمريض بالحفاظ على وظائفه الأساسية، كالتنفس والكلام والبلع، بينما تفرض الحالات المتقدمة استئصالاً كلياً للحنجرة، ما يؤدي إلى فقدان الصوت الطبيعي ويترك آثاراً عميقة على الجوانب النفسية والاجتماعية للمريض.
.وأكد أن هذا اليوم التكويني يهدف إلى التعريف بأحدث تقنيات إعادة التأهيل الصوتي بعد استئصال الحنجرة، وتمكين المرضى من استعادة القدرة على النطق باستخدام الوسائل الحديثة والبدائل الصوتية، بما يمنحهم فرصة لاسترجاع استقلاليتهم وتحسين جودة حياتهم مؤكدا على أن التكفل بمرضى استئصال الحنجرة لا ينتهي بإجراء العملية الجراحية، وإنما يتواصل عبر برامج إعادة التأهيل والدعم النفسي والاجتماعي، باعتبارها ركائز أساسية لإعادة إدماج المرضى في المجتمع وتمكينهم من استئناف حياتهم بصورة طبيعية.
أكتب تعليقك